وعددها عليه جفوة من جفوات ذكرها ثلاثًا ، كيف يصح مثل هذا
وهو الرسول الكريم الوجيه لديه ، وقد تقدم إليه قبل يوم اتخذوا العجل إلهًا في
قوله: (فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ(85) . وإنما حكى ذلك
عن ربه - عز وجل - ورد الأمر كله له ، أليس الله بأعلم حيث يجعل رسالاته إنما أصاب بني
إسرائيل ما أصابهم من قلة توقيرهم له - عليه السَّلام - وضعف تعزيرهم لغيره من سائر الأنبياء
وكذلك ما قد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث الإسراء حيث يقول في مسراه:
"فلما جئنا السماء يقول: السادسة إذا أنا بموسى فرحب بي ودعا لي بخير"
إلى قوله:"فلما تجاوزته بكى ، فقيل له: ما يبكيك ؟ قال: يزعم بنو إسرائيل أني"
أكرم الخلق على الله ، فهذا غلام بعثه الله بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما
يدخلها من أمتي"هذا بحكم الله وليس على ما يسبق الشيطان - لعنه الله -"
إلى النفوس ، بل هو على سبيل الإغباط لمحمد - صلى الله عليه وسلم - والفرح به ، وبصدق الله وعده
رسله .
وقد كان يقدم إليه وإلى غيره من الرسل والأنبياء في شأنه بما عبر عنه
بقوله الحق: (ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ)
فكان بكاؤه ذلك فرحًا به من نبي كريم وأخ صالح ، ليس فيما هنالك
حسد ولا ملق وفرحًا أيضًا أحسن خلافته الله على الأمم بعده ، وحزنًا لقومه لأجل
عتوهم عليه وعلى من بعدهم من الأنبياء - عليهم السلام - وأنهم صدقوا فريقًا
منهم ، وكذبوا فريقًا منهم ، وقتلوا فريقًا ، فتأسف لذلك على بني إسرائيل ، وبكى
خوفًا وجزعًا عليهم ، فإن الأنبياء والرسل من شأنهم الحرص على هداية الناس