يراها بقلبه ، ولا يسمعها بأذنه ، ولا يسعى إليها بوهمه ، بل يدركها بحواسه الظاهرة
على غير ما جعلت له ، وإن كان مصدقًا بها في أصل إيمانه ، ولعله أن يحدق بعين
بصيرته وجود إيمانه مما جعلت له فلا يرى ، ويصيخ يسمع فؤاده عساه يسمع نداها
ويدرك شهاداتها فلا يسمع ، فالغفلة حجاب عن معرفة الحقائق ، وعلة الغيبة عن
مشاهدتها في بوادي حضورها ، واعلم أن بواديها قد عمت عموم البوادي ،
وأنوارها قد أشرقت إشراق الضياء ، ولكن لا يشعرون أيان يبعثون .
(فصل)
قال الله - جلَّ جلالُه - في قوله الحق: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ(17)
ومن أبين التبيين في فصول القرآن وأعظمه يقينًا في اقتفاء الموعظة
وتوكيد اليقين والخوف من إهلاك الله الأمم الماضية ، وأخذه إياهم بذنوبهم .
يقول الله - عز وجل -: (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ) .
وقال: (وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ
وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (45) .
فينبغي لمن أراد سلوك الفهم عن ربه - عز وجل - في حمل القرآن أن يتمثل نفسه عند
قصص كل أمة أنه كالحاضر المشاهد لذلك الرسول ، وأنه من جملة المرسل إليهم
المبلغ إليهم عن ربهم الرسالة ، يسارع إلى القبول بما جاء به الرسول ، وحسن
الاستجابة لله بتوهم ، ويعقد نية أنه كان يكون في تفرق عجائبه من العالمين به
الناصرين له الموقرين المعزرين له ، وتبرأ إلى الله جل ذكره من قبيح يمكن أن
يكون معنى قول موسى - عليه السَّلام -: (هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي) أي: على هدايتي
وسنني ، ويمكن أن يكون معنى ذلك أنه استتبعهم إلى المواعدة ، فعجل هو
سبقًا إلى ربه - عز وجل - وهم على أثره لاحقون به .
قال الله - جلَّ جلالُه -: (فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ(85) فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى