هو أعلم بما هو الطيب من ذلك والخبيث .
كما قال جلَّ قوله:(لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى
بَعْضٍ . . . ).
غير أنا نعلم بما أعلمناه - جلَّ جلالُه - أن نصيب الرحمة منه أوفر وأغلب لا محالة ،
كذلك أيضًا في النبات والجمادات الطيب والخبيث ، يأتي الله جلَّ ذكره بالدنيا
جمعًا ، فيقضي قضائه ويحكم حكمه في عباده ، ثم يميز خبيثها إلى النار وطيبها إلى
الجنة ، لذلك قال عزَّ من قائل: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ
يُحْشَرُونَ (38) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ . . . ).
وإنما ذكر جلَّ ذكره نعت المكلفين ، وخصَّهم بالذكر في ذلك للمعهود منه - جلَّ جلالُه -
أنه إنما يكلف من حقه أيسره ، ويرك أكثره رحمة منه بالعباد ورأفة ، فذكر - جلَّ جلالُه -
إرجاعهم بعد البلى وكذب أكثرهم ، فاستوجبوا لديه ما أوعدهم به ، فكيف كان
يكون بعد تكذيبهم بما قد اضمحل ويبس ، وما رطب وبرد ، وما سخن بجواهر ذلك
وأعراضه وتوابعه ، وأوائل ذلك وأواخره من أول وجود الدنيا إلى انقراضها ، وهي
جملة يتعذر زمّها على أكثر الأوهام ، ويتغيب عنها في كثير من الأحوال الإيمان بها .
قال الله - جلَّ جلالُه -:(هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ
فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ).
وقال جل قوله: (سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)
فأخبرك - جلَّ جلالُه - نصًّا صريحًا أنه خلق كل شيء لعباده ومن أجلهم ، وجعل كل ذلك آلاء
وآيات على مراده من الغائب الآتي ، وأخبر أنه قد قدر العودة بعد البدأة ، وصرح - جلَّ جلالُه -
بذكر إعادة العبد ، فمن الجلي البين أنه كما يعيده بعد أن بدأه لذلك يعيد ما خلقه
من أجله آيات على الدار الآخرة التي انتزعت منها ، ثم جعل هذا آية على تلك ،
وعبرة من هذه إلى تلك ، ثم جعل مصيرهم إليها .
(فصل)
اعلم أن الحساب كله في المكلفين هو أمر نشأ من لدن عالم الجماد إلى
الثقلين الجن والإنس ، غير أن الفرق بين ما هو مكلف ، وبين ما ليس بمكلف: