فهرس الكتاب

الصفحة 814 من 2809

لما كانوا كل ما رأوا آية يستسخرون ، أو يلحدون بها إلى المتعارف من

جري العوائد ، جعل كل آية في السماوات والأرض لها وجه إلى المعهود ، وليجدوا

لتأويلهم مخارج المبطلون والإلحاد بها مذهبًا [للجاحدين] .

وجعل لها أيضًا وجهًا أبطنه عنهم إلى صريح النذارة والبشارة ، والإعلام

بحقائق موجودات الدار أالآخرة وشهادة الوجود العلي ، فمن نظر كل آية في

السماوات والأرض يحملها على معهودها ، وما جرت به العوائد في سننها لم

يحدث له ذكرًا ، ولا وجد لها علمًا ، ولا أكسبه ذلك منها خشية ، ولا وجد لها بعدًا .

هذا أصل لهذا الباب فهو جلَّ ذكره لو أنزل من الملائكة رسلًا عِوَض البشر

لجعل ظواهرهم بشرًا ، لإلباس على دونهم ، وبواطنهم كالمعهود المتعارف من

الملائكة فتحًا لباب الإيمان بالغيب على تابعيه ، كذلك لما قضى وقدر أن يتخذ من

البشر رسلًا إلى البشريين جعل ظواهرهم بشرية وبواطنهم ملكية ، فمن اقتصر بعلمه

ونظره على ظواهرهم عدم الإيمان بهم وبما جاءوا به ، إذ ظواهرهم غير دالة على

صدقهم ، ولم يمتنع اليقين بما هم عليه من نبوتهم ، وصدق ما جاءوا به على

متأمليهم .

كذلك القرآن العزيز فيه آيات بينات للعلم بما هي عليه آيات ، وأخر متشابهات

ظواهرها بخلاف بواطنها ، فمن اقتصر على تفهم القرآن على ظواهر أكثره من

المتشابهات دون التوغل في الذكر ، والتفكر في معانيها والرسوخ إلى بواطنها لم

يصل إلى رفيع العلم ، ومُنع من درجة اليقين ، وأعلى رتبه أن يكون دارسًا وقارئًا .

وكذلك من طلب العلم في أكثر المبينات بالرسوخ إلى بواطن بطنها لها ، فقد

افتتن هذا بتقصيره كما ضلَّ هذا بتعديه ، والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم

الآخر ، ومما هو فيما هنالك ، وبآيات الله - جلَّ جلالُه - في السماوات والأرض من ملكه

وملكوته ، وما خلق الله من شيء ظن الوصول إليه والحظوة عنده والجاه لديه ، وهو

-جلَّ جلالُه - وتعالى علوه وشأنه قد كتب على نفسه أنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء ،

فوجب في منبعث الابتلاء .

وبدء القضية أن يجعل على الهداية حجابًا ، وعلى الضلالة شبهة ؛ لئلا يصل

إلى العلا من علمه ، والرفيع من درجاته إلا من بذل جهده في ذاته - عز وجل - واستفرغ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت