لما كانوا كل ما رأوا آية يستسخرون ، أو يلحدون بها إلى المتعارف من
جري العوائد ، جعل كل آية في السماوات والأرض لها وجه إلى المعهود ، وليجدوا
لتأويلهم مخارج المبطلون والإلحاد بها مذهبًا [للجاحدين] .
وجعل لها أيضًا وجهًا أبطنه عنهم إلى صريح النذارة والبشارة ، والإعلام
بحقائق موجودات الدار أالآخرة وشهادة الوجود العلي ، فمن نظر كل آية في
السماوات والأرض يحملها على معهودها ، وما جرت به العوائد في سننها لم
يحدث له ذكرًا ، ولا وجد لها علمًا ، ولا أكسبه ذلك منها خشية ، ولا وجد لها بعدًا .
هذا أصل لهذا الباب فهو جلَّ ذكره لو أنزل من الملائكة رسلًا عِوَض البشر
لجعل ظواهرهم بشرًا ، لإلباس على دونهم ، وبواطنهم كالمعهود المتعارف من
الملائكة فتحًا لباب الإيمان بالغيب على تابعيه ، كذلك لما قضى وقدر أن يتخذ من
البشر رسلًا إلى البشريين جعل ظواهرهم بشرية وبواطنهم ملكية ، فمن اقتصر بعلمه
ونظره على ظواهرهم عدم الإيمان بهم وبما جاءوا به ، إذ ظواهرهم غير دالة على
صدقهم ، ولم يمتنع اليقين بما هم عليه من نبوتهم ، وصدق ما جاءوا به على
متأمليهم .
كذلك القرآن العزيز فيه آيات بينات للعلم بما هي عليه آيات ، وأخر متشابهات
ظواهرها بخلاف بواطنها ، فمن اقتصر على تفهم القرآن على ظواهر أكثره من
المتشابهات دون التوغل في الذكر ، والتفكر في معانيها والرسوخ إلى بواطنها لم
يصل إلى رفيع العلم ، ومُنع من درجة اليقين ، وأعلى رتبه أن يكون دارسًا وقارئًا .
وكذلك من طلب العلم في أكثر المبينات بالرسوخ إلى بواطن بطنها لها ، فقد
افتتن هذا بتقصيره كما ضلَّ هذا بتعديه ، والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم
الآخر ، ومما هو فيما هنالك ، وبآيات الله - جلَّ جلالُه - في السماوات والأرض من ملكه
وملكوته ، وما خلق الله من شيء ظن الوصول إليه والحظوة عنده والجاه لديه ، وهو
-جلَّ جلالُه - وتعالى علوه وشأنه قد كتب على نفسه أنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء ،
فوجب في منبعث الابتلاء .
وبدء القضية أن يجعل على الهداية حجابًا ، وعلى الضلالة شبهة ؛ لئلا يصل
إلى العلا من علمه ، والرفيع من درجاته إلا من بذل جهده في ذاته - عز وجل - واستفرغ