فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ
بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) .
وقال هود - عليه السلام -:(وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ
مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ)فذكر أنهم عتوا وعصوا ، فقطع بذلك
دابرهم واستأصل شأفتهم كما فعل بكثير ، وإن هم آمنوا واتقوا وعده ووعيده الحق
أن يمتعهم متاغا حسنًا إلى أجل مسمى ، وأن يرسل السماء عليهم مدرارًا ، ويمددهم
بأموال وبنين ، ويجعل لهم جنات ، ويجعل لهم أنهارًا هذا كله إنهم إن عتوا وكفروا
يقطع عنهم المطر من السماء والنبات من الأرض ، ويمنعهم الأزراق ويهلكهم
ويفنيهم ، ويمنع منهم التناسل كما فعل بكثير كقوله:(فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا
أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ)إلى غير ذلك مما يعلم
أْنه يخلق ما يشاء ويختار .
ولو كان كما زعم بعضهم لكان أمره أشبه بحال المضطر ، كيف يكون هذا أو
يظن بتدبيره ، وهذا هو الواسع العليم خلق كل شيء ، وقدره على ما شاء تقديرًا
وعلمه ، ومشيئته أوسع من التصرف وتنويع التدبير دون نهاية ولا غاية ، والأجل
المسمى هو الذي إليه المنتهى في الأعمال والأعمار والأرزاق ؛ كقيام الساعة للدنيا ،
وكموت من يموت من غير عارض له من قتل بحدث ، أو أسباب تقضي مقدره
لآجال قد قضاها ، فهو مقدر لمقدور ، (وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ(8) .
وهذا هو الأجل المعني بقوله جلَّ قوله: (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ) عنه
(سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) .
والأجل الذي هو دونه الذي قال فيه: (قَضَى أَجَلًا) هو ما قد
قدره بحلول أسباب وحوادث تقدرها .
وفي هذا يتصور المعنى بقوله جلَّ قوله:(وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ
عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ)وفي هذا قد ينفع الحذر ، وفيه يوجد تأثير بر
الوالدين وصلة الرحم ، والإيمان والعمل بطاعة الله - جلَّ جلالُه - بالاستجابة لله وللرسول .
ألا ترى أنهم لما استجابوا لله ولرسوله نعشهم ، ومدَّ لهم في أعمارهم حتى
يتوفاهم على آجالهم ، ومدتهم المقدرة لهم من حلول منياتهم ، ومتى عتوا عما نهوا