الغضب يغضب بغير مغضب ، ويألم بغير مؤلم ، لم تسكن نفسه فرقًا وقلقًا وسعرًا ،
فإذا اقترن بذلك عذاب السعير ، فما ظنك وموجود الآخرة ينشأ عن هذه إلا ما لا
يبلغه وهم متوهم .
والسعر يلهي بما هو عن كل شيء سواه ، وهو عذاب الشياطين فيما أعد الله
لهم فيما هنالك ، ولاقتران كل إنسي بشيطان كان له قرينًا في دار الدنيا ، سرى عذاب
السعير إلى الإنس ، كما أصاب الشَّيَاطِين غيره من عذاب جهنم ؛ لاقترانهم بالإنس ،
وعذاب جهنم - أعاذنا الله الرحيم برحمته منها - يعمهم .
قال الله - جلَّ جلالُه - في الشَّيَاطِين: (وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ(5) وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ
عَذَابُ جَهَنَّمَ) .
وقال أيضًا: (بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا(11) إِذَا رَأَتْهُمْ
مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (12) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا
هُنَالِكَ ثُبُورًا (13) . أي: جن بإنس وإنس بجن .
وقال جل قوله: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ(36) .
وكما كان له قرينًا في الدنيا ، فكذلك هو قرينه في الآخرة -
ألا تسمعه جلَّ من قائل: (حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ
الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (38) .
يقول الله - جلَّ قوله - لكل قرين منهم: (وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ
فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (39) .
ولذلك قال: ( لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ) وقد تقدم من
ذكر اقترانهم قبل هذا ما يغني عن التطويل .
(فصل)
يضاعف العذاب على أئمة الضلال بما أضلوا غيرهم ، وضلوا هم في أنفسهم ،
كما قال الله جل قوله:(لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ
يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ).
وقال جلَّ قوله: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ