الْأُمُورُ (76) .
فجخة الدار الوسطى هي الحاضرة ، التي قال فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"للجنة أقرب"
إلى أحدكم من شسع نعله والنار كذلك"وهي لهذه الدار جنتها بجنتها ونارها"
بنارها ، كالمثال الذي تقدم ذكره قبل ، والقافية للذوات والأولى ونحو هذا ، وهي
التي هي عرض السماوات والأرض ، وهي ملك السماوات والأرض ، عنها تنفصل
معاني ما هنا من موجوداتها شقائها ونعيمها ، سرائها وضرائها ، خيرها وشرها .
وأما جنة الدار الآخرة والله أعلم ، فهي التي عبَّر عنها قوله الحق:(سَابِقُوا إِلَى
مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)وتلك أكبر
جدا وأوسع من السماوات والأرض ، إذ كل ما علا فهو سماء ، وذلك إذا كشطت
السماوات سماء سماء وبدلت الأرض غير الأرض والسماوات وسعت حقيقة تلك
في هذه ، فكانت كلها جنانًا ، السماوات والأرض اليوم هي من الدنيا ، فإذا بدلهن
بغيرهن كن آخره ، وزيد في ساحتهن طولًا وعرضا كما بين الدنيا والآخرة من
الزيادة التي عبَّر عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"ما الدنيا في الآخرة إلا كإصبع أدخلته في اليم"
فانظر بما يرجع منها"."
وقال العليم الخبير: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ(26) .
(فصل)
إن الله - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه قد خبَّأ خبْئًا كثيرًا ، وهيأ نزلًا عظيمًا كريمًا وعد
به عباده المؤمنين ، وأعد لمن كذَّب رسله وعصى أمره عذابًا ، جمع ذلك كله في دار
القرار التي فصل هذه عنها ، وأوجب في سابق حكمته وعليّ تدبيره أن