إنا جعلنا بين الطرفين قوامًا .
ثم قال جلَّ قوله: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ(219) فِي الدُّنْيَا
وَالْآخِرَةِ).
(فصل)
ذكر بعض من تقدم - رحمة الله على جميعهم - أن هذا منسوخ بالأمر بالزكاة .
قال: وكذلك كل نفقة مذكورة في القرآن ، وليس هذا بناسخ ولا منسوخ أيضًا ،
إنما كان سؤالهم [عن] الإنفاق ، وفيما يتطوعون به من المتصدق ، ومن ذلك قوله
تعالى:(قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ
السَّبِيلِ)ثم زاد ذلك تبيينًا بقوله - جلَّ جلالُه -: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) .
وليس كذلك خطاب الأمر بالزكاة المكتوبة الموجوبة المفروضة ، إنما أجابهم
-جلَّ جلالُه - عن الإنفاق ، فقال: (فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ)
المعنى كما بيَّن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"نفسك ، ثم أباك ، ثم أمك"فأدِّ مالك فما فضل
عن ذلك فقل به هكذا وهكذا وهكذا .
ولو كان الأمر بالزكاة ناسخًا لسائر النفقة لكان الأمر بصلاة الفريضة ناسخًا
لصلاة النافلة ، والأمر بصيام رمضان مانعًا بالنسخ من صيام التطوع ، فلا يكون من
الآية صلاة نافلة ولا صيام مرغب فيه ، فكذلك الحج وجميع الرغائب من الخيرات ،
فلِمَ هذا واجب عزم وهذا مرغب فيه مندوب إليه ؛ ولكل خطاب معنى مراد به .
(فصل)
موجودات الدنيا كلها لا تخلو من أن تكون أفعالًا لله - جلَّ جلالُه - انفرد بها لا شريك
له ، كالذي أوجده - جلَّ جلالُه - من المخلوقات ، وابتدعه من المبتدعات أجمعها كالسماوات
والأرض والجبال والنجوم والسحاب والأفلاك والرياح والماء ينزله - جلَّ جلالُه - وتعالى