وذلك بالجوارح ؛ كالقراءة في وقتها ، والصلاة في أوقاتها ، والصوم والزكاة والحج ،
وسائر الفرائض المؤقتة من أعمال الجوارح ، وكل نوع من العبادات والطاعات يعود
إلى الذكر بالحقيقة ؛ إذ لا تصح طاعة ولا عبادة إلا بنية ، والنية هي الذكر بالقلب ،
وهو أن يعلم أنه جل ذكره افترض عليك هذه الطاعة وندب إليها ، وأنه هو المقصود
فيها بالطاعة والعبادة ، والتوجه بها إليه ، وكل فعل يخلو من ذلك فهو باطل .
قال الله جلَّ ذكره: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ(4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5)
ونهى عن الصلاة حال السكر لأجل هذه العلة ، ونهى رسول الله
-صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة حال النوم وحين مدافعة الأخبثين لأجل ذلك .
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"إنما الأعمال بالنيات"ومحل النية القلب .
قال النَّبي - صلى الله عليه وسلم -:"إنما لامرئ ما نوى".
وأما الذكر الدائم فهو ذكر القلب ، وحضوره يطرد الشيطان ، ويذهب النسيان
والغفلة ، وذلك على وجوه:
-فتارة يذكر الله لعظمته وعلائه وكبريائه ، وتولد منه الهيبة والإجلال .
-وتارة يذكره لعظيم قدرته وأليم أخذه وشديد بطشه ، فيتولد من ذلك الخوف
والحذر .
-وتارة يذكره بالفضل والرحمة ، فيتولد من ذلك الرضا .
-وتارة يذكر وعده ، فيتولد منه الشوق .
-وتارة يذكره بأن له الملك والخلق والأمر والمشيئة الماضية ، يحكم ما شاء
ويفعل ما يريد ، فيتولد من ذلك الغبطة والسرور بأنه عبد لمن هذا وصفه ونعته ،
فيتولد عن ذلك أيضًا الصبر والحب .
وتارة يذكره ؛ لأنه الكافي للمهمات الموجودة وحده لا سواه في جميع
الملمات ، المتكفل بالأرزاق وإيصالها إلى المفتقرين وذوي الحاجات إليها ، فيتولد
عن ذلك التوكل والتفويض .