منه أن يتم ، والله غالب على أمره ، ثم لا بد في جملة القضاء أن يتم حكمته في كل
شيء هو في الدنيا ، والذكر بعد فقد نزل إلى قلب الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولسانه ، وهما من
الدنيا بما هو بشر ، وليسا من الدنيا بما هو رسول مضمون عصمته .
ألا ترى إلى ذلك في الوجود شائعًا ، هذه السماء الدنيا إنما هي سقف الدنيا
أبقى الشيطان في استراق السمع على بعض عمالتهم ، وبما هو المسترق المسموع
من باب الإنباء والغيب والقضاء ، وهو متحدث ملائكته - عليهم السلام - كان
خارجًا عن حكم الدنيا ، فيسلط عليهم الشهب وأرسلها محرقة لهم .
ويدلك على لزوم هذه الحراسة وسطًا ؛ أعني: بين العلو والسفل موضع تلقي
الرسول والنبي - عليهما السلام - الوحي ، وموضع استراق السمع الذي هو سماء
الدنيا إلزامه الحفظ والقيام علوًّا ، أعني: السماوات العلا والكرسي والعرش ،
وكذلك الوحي من لدن موضع جبريل منه روح القدس فلم يجعل الشيطان فيما
هنالك مجالا ولا أقطع لهم عمالة .
(شبهة) :
احذر - وفقنا الله وإياك - أن يحرمنك توهم مغايرة في التدبير أو مناقض حكم
في المملكة ، أو ما يعبر عنه بهذا ، وشبهه ما تسمعه من ذكر حراسة وحفظ وكلاءة
من خطف موجود أو محذور متوقع ، كلا بل هو الله لا إله إلا هو الأحد الصمد ، لم
يعجز قدرته قط شيء أراد كونه ، ولا اعتاص على [مشيئته] أمر دبره ولا موجود خلقه ،
ولا عاجله قبل وقته ، ولا تأخر عن أجله ، هو المحيط - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه بكل
علم وقدرة [ومشيئة] قبل كونه .
ثم أوجده على وفق إرادته [ومشيئته] فيه ، وعلمه السابق به ، وعلى ذلك فهو
القائل الصادق: ( إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا) .
(وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ) .
إنما ذلك ؛ لأنه - جلَّ جلالُه - قدر سنة في خلقه على آجالها في سابق علمه ، ثم رماها
بالمحنة والابتلاء من أمره ، وفصل بكلماته التامات ما شاء بما شاء ، والحفظ
والحراسة والكلاءة أمره ، والمحفوظ منه المخوف من أجله ملكه أمره ، فهو يحفظ
ما شاء [بما شاء] بأمره من أمره .