من قول اللَّه - جل ذكره - وصله بقول فرعون تهزئا به وإظهارًا لعدم
تمييزه ، وتنبيهًا لأولي العلم على الوقوف على عجزه .
(فصل)
(أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ) هي ما بين السماوات وبين ما هو دونه . كدوائر الأمر بين
السماء الدنيا وبين هذه الأرض ، قيل لها ذلك ؛ لأن كائنات ما في الأرض هي كائنة
عنها ، كما يكون المسبب عن السبب ، وملك الأرض كائن عن آثاره مطلقًا فوقها
وذلك السبب الذي هذا السبب كائن عنه بإذن الله هو أيضًا مسبب لسبب هو فوقه ،
هكذا إلى أن يصعد الأمر إلى العلي الأعلى تبارك وتعالى ، هو القائم على كل سبب
ومسبب ، قيامه على السبب الأدنى منه كقيامه على المسبب الذي يسبب لسواه
سواء ، وهو القائم على كل نفس بما كسبت (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ) وحده
(وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) .
تجده وإنما قطع بالمبطلين عن الوصول إلى مسب الأسباب العلي الكبير
القنوع بأول سبب ، والاعتماد على ما شابهه وما كان فيه منه شبه ما ولو من وصف
من أوصافه حتى نحتوا الحجارة وعبدوها ، ونجروا الخشب وسجدوا لها ، وصاغوا
صنعات الأرض ودانوا لها ، ولو أنهم ائتموا بإمام المتقين - صلوات الله وسلامه
عليه - في صحيح اعتباره وسلكوا واضح منهاجه لعلوا بهمتهم صعدًا من الصغير
إلى الكبير إلى ما هو أكبر منه ، ولارتقوا بإيمانهم إلى الرفيع الدرجات العلي الأعلى
رب العرش العظيم .
قال الله عز من قائل: (أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي
الْأَسْبَابِ (10) . ولما تصور فرعون بكاذب ظنه أن له ملك الجزء الذي حل
فيه من الأرض همَّ بأن يرى من سواه أنه يقدر على الرقي إلى أسباب السماوات ،