إليها ظهر ذلك في معهود يخاطب الملأ الأعلى ، حيث"تحاج آدم وموسى عند"
ربهما - عزَّ جلاله - قال له موسى: أنت الذي أخرجت ذريتك من الجنة ، فقال له
آدم - عليهما السلام: بكم وجدت الله كتب علي أن يخرجني إلى الدنيا ، قال: قبل
أن يخلقني بأربعين سنة ، قال: فتلومني على أمر كُتب عليَّ قبل أن أخلق بأربعين
سنة ، قال: فحاج آدم موسى"."
فعلى هذه الرواية من ذكر الدنيا تصحيح العبرة ، فإنه لا بد لهم من الدنيا ،
ثم لا بد لهم من الجنة أو النار ، وإنما يجير من النار مشيئة الله - جل ذكره - ثم
لزوم طاعته واجتناب مناهيه ، ومن لم يوفق لذلك فالنار موعده هي مولاكم ،
كما يقال في تذاكر أهل البرزخ عمن مات ولم يره الحزب الصالح: أنا لله ذهب والله
به إلى أمه الهاوية هي أمه منها خلق وإليها عاد .
فمفهوم هذا في الجنبة الأخرى أن يقال في التفي: ذهب والله به إلى أمه
العالية ، فإنما هذه أم وهذه أم ، لكن الشقي لما لم يشكر نعمة الله عليه فيما أنزله
عليه من السماء ، ولا صدق الله ورسله وكفر صارت له جهنم الذي خلق من فيحها
أمًّا ، وفي أهل الطاعة بالإيمان والشكر لله صارت الجنة لهم أما وموعدًا
ومصيرًا.
ومن موضع هذا اللزوم كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في دعائه:"أسالك اللهم"
فكاك رقبتي من النار ، اللهم أعتقني من النار"."
وقال الله - جلَّ جلالُه -: (فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا(77) .
فمن خلقه الله في الدنيا فقد خلقه أيضًا مما أنزله من فتح رحمته بالماء فإن