وعلى الكلام بالإجمال فإن أحكام الملكوت التي أطلع الله - جلَّ جلالُه - عليها العباد وكلفهم
معرفتها ، ودعاهم إلى الإيمان بها ، وإلى أن يعمل أولوا الألباب أفكارهم وفطنهم من
هذا فيها ، وأن يدعوا اشتغال قلوبهم بالنظر إليها فيها ، والتفكر في سبيل البحث عن
معالمها ، ثم الاعتبار فيها إلى سواها ويجيلوا أبصار بصائرهم في معارفها ، وهي ستة
أضرب:
-منها: تكوينه - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه الأشياء لا من شيء .
-الثاني: إقراره - عز وجل - الأشياء كلها لا على شيء .
-الثالث: إدخاله الواسع في الضيق ، ولم يوسع الضيق ولا ضيق الواسع .
-الرابع: وضعه الصغير على الكبير وإيراده الكبير لا على جزء من ذلك
الصغير .
-الخامس: حجابه الإنسان عن رؤية موضعه ، ومشاهدة نفسه وإظهاره له
عالمًا آخر في موضعه ذلك ، ولم ينقله عن موضعه .
-السادس: تفتيته الجسد في التراب لأعين أهل الدنيا ، وهو صحيح تام عند
أعين أهل الآخرة ، وتنويمه الجسد عن الأكل والشرب والنكاح في موضع وإيقاظه
إياه ، ويطعمه ويسقيه في موضع آخر .
فهذه ستة معارف هو مطلوبها الأكبر ومعتمدها الأعظم ، ولتعلم - وفقنا الله
وإياك - أن لكل حق حقيقة ، ولكل عين معنى ، كما قد علمت أن لكل ظاهر باطنًا ،
وأن الباطن متى انفصل عن ظاهره أبدل بحامل يقوم له في باطنيته مقام ظاهره
المفارق ، ولنقتصر على هذا القدر من هذا الفن ، ففيما ذكرنا دليل على ما عنه
أمسكنا .
ولعلمنا أن الضرورة تدفع إلى اختلاف ما هو بسبيله في أولى المواضع به ،
ففي اختلاف العبارات وتغاير الألفاظ مع اتفاق الحقائق في معانيها . وفي اجتلابها
إلى مظانها وذكرها عند أشباهها مجال رحب للأفهام ، وعون كبير على تعرف كل
خطاب ( وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ) .