* ولأن المسجون يجتهد أن يرضي خصومه لئلا يتظلموا عليه عند الملك فيقسم عليه الساسة، فكذا المؤمن يجتهد في دنياه أن يرضي خصومه لئلا يخاصموه بحضرة مولاه غدًا.
* ولأن المسجون يتضرع إلى الثواب والحجاب وكل نفس لها تعلق بالملك ويتشفع به وإليه في أمره، فكذا المؤمن يتوسل بكل أحد إلى الله تعالى ويسأل الله بكل لسان بأن ينقذه عن مهاوي الهلكة.
* ولأن المسجون يدعي رفع الصفة كل يوم بل كل وقت فلعل الملك يرحمه في وقت من الأوقات، فكذا المؤمن ينبغي ألاَّ يفتر عن رفع قضيته كل ساعة فعسى الله أن يرحمه.
* ولأن المسجون إذا جوزي في السجن ولم يفضح بين أيدي الناس فذلك أهون عليه، فكذا المؤمن إذا ابتلي في دار الدنيا فإنه يحمد الله على أن جوزي بذنوبه في هذه الدنيا الفانية ولم تؤخر عقوبته إلى دار البقاء.
* ولأن المسجون يرجو الفرح وإن كان على خطر ولا يأمن وإن كان يرجو الخروج، فكذا المؤمن يرجو عمره بين خوفه ورجائه إلى أن ينتهي عمره.
وقوله: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا} [يوسف: 41] قام الطباخ والساقي فرأيا رؤياهما فوصل أحدها إلى نعيم الدنيا، والآخر إلى العقوبة، {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [الشورى: 7] ، ولو كان يعلم الطباخ ما يرى في منامه لما نام، فكذا الغافل لو أن يدري ما يصيبه من الغفلة ما غفل ساعة، والساقي ترك الخيانة وأشفق على سيده ولم يداهن فنجا وفاز، والطباخ خان وداهن وأعرض عن مراعاة حق سيده فهلك، فكذا أمر الخائن العاصي المداهن المعرض عن طاعة الله المتبع أوامر أعدائه قال الله تعالى: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ} [الكهف: 50] .
ويحكى أنه لمَّا دخل يوسف السجن بكى وقال: هذا غضب مخلوق فكيف سخط الخالق؟ فقيل له: أطلب منه ألاَّ يحبسك، فقال: هو ربي يفعل ما يشاء، وإنما قال هذا يعني الله تعالى، فظنوه يعني مشتريه، فقالوا: نعم العبد هو لمولاه.
وقوله: {يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ} [يوسف: 46] اعمل أنه سمى الله تعالى إبراهيم صديقًا، قال: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا} [مريم: 41] وسمى إدريس صديقًا: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًَّا} [مريم: 65] وأخبر عن تسمية يوسف صديقًا: {يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ} [يوسف: 46] .
وسمى مريم صديقة: {وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} [المائدة: 75] ، وسمى أبا بكر: صديقًا، {وَالَّذِي جَآءَ بِالصِّدْقِ} [الزمر: 33] وسمى المؤمنين صديقين: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ َأُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ} [الحديد: 19] .
وأعطى إبراهيم الخُلة، {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء: 125] ، وأعطى إدريس الرفعة {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} [مريم: 75] ويوسف التمكين {وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ} [يوسف: 56] ، ومريم الاصطفاء والطهارة كما قال: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ} [آل عمران: 42] والصديق الخلافة كما قال: {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ}