فهرس الكتاب

الصفحة 884 من 1648

{وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً} [الإسراء: 16] أي: من قرى النفوس {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} [الإسراء: 16] وهي النفوس الأمارة بالسوء {فَفَسَقُواْ فِيهَا} [الإسراء: 16] أي: فخرجوا عن قيد الشريعة، ومتابعة الأنبياء بمتابعة الهوى واستيفاء شهوات النفس {فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ} [الإسراء: 16] أي: فوجب لها الشقاوة بمخالفة الشريعة {فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء: 16] بإبطال استعداد قبول السعادة إذا صارت النفس مرقومة برقوم الشقاوة والأبدية.

{وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ} [الإسراء: 17] أي: أبطلنا حسن استعدادهم لقبول السعادة برد دعوة الأنبياء {وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ} [الإسراء: 17] إذا لم يقبلوا دعوة الأنبياء {خَبِيرًَا بَصِيرًا} [الإسراء: 17] فإنه المقدر في الأزل والمدبر إلى الأبد أسباب سعادة عباده وأسباب شقاوتهم.

ثم أخبر عن أمارة أهل السعادة والشقاوة بقوله تعالى: {مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ} [الإسراء: 18] إشارة إلى أن إرادته إنما كانت العاجلة؛ لأنا عجلنا له هذه الإرادة {فِيهَا} [الإسراء: 18] أي: في الدنيا {مَا نَشَآءُ} [الإسراء: 18] أي: بقدر ما نشاء على مقتضى حكمتنا {لِمَن نُّرِيدُ} [الإسراء: 18] أن يكون من أهل الدنيا ومظهر صفة قهرنا {ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا} [الإسراء: 18] أي: عذبناه بعذاب صفاته الذميمة في جهنم والبعد والقطيعة {مَّدْحُورا} [الإسراء: 18] مطرودًا مهينًا ذليلًا.

واعلم أن فيها إشارة إلى أن الله تعالى خلق الإنسان مركبًا من الدنيا والآخرة، ولكل جزء منها ميل وإرادة إلى كله ليتغذى منه ويتقوى ويتكمل به، وإن في جزئه الدنيوي وهو النفس طريق إلى دركات النيران، وفي جزئه الأخروي وهو الروح طريق إلى درجات الجنان، وخلق القلب في هذين الجزئين، وله طريق إلى بين إصبعي الرحمن إصبع اللطف وإصبع القهر، فمن يرد الله أن يكون مظهره قهره أزاغ الله قلبه، وحول وجهه إلى الدنيا فيريد العاجلة ويربي بها نفسه إلى أن يبلغه إلى دركات جهنم البعد وتصلى نار القطعية، ومن يرد الله أن يكون مظهر لطفه أقام قلبه وحول وجهه إلى عالم العلو فيريد الآخرة، {وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا} [الإسراء: 19] وهو الطلب بالصدق {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [الإسراء: 19] بأن طلبه وجده {فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم} [الإسراء: 19] في الوجود {مَّشْكُورًا} [الإسراء: 19] من الموجود في الأزل.

ثم أكد هذا التأويل بقوله: {كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلَاءِ} [الإسراء: 20] يعني: أهل الدنيا بأن نحول وجه قلبه إلى الدنيا وزخارفها إظهارًا للقهر، {وَهَؤُلَاءِ} [الإسراء: 20] يعني: أهل الآخرة بأن نحول وجه قلبه إلى الآخرة ودرجاتها، {مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} [الإسراء: 20] ممنوعًا من كلا الفريقين.

{انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [الإسراء: 21] من أهل الدنيا في النعمة والدولة وموافاة المرادات ليتحقق لك أنها من إمدادنا إياهم {وَلَلآخِرَةُ} [الإسراء: 21] يعني: أهل الآخرة {أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا} [الإسراء: 21] من أهل الدنيا؛ لأن مراتب درجات الأخروية وفضائل أهلها باقية غير متناهية ونعمة الدنيا وفضائل أهلها فانية متناهية، ثم خاطب الله النبي صلى الله عليه وسلم وقطع تعلقه عن الكونين من بين الثقلين، فقال: {لاَّ تَجْعَل مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} [الإسراء: 22] من الدنيا والآخرة لتعبد الدنيا أن تعبد الآخرة بطلبهما {فَتَقْعُدَ} [الإسراء: 22] عن طلبنا {مَذْمُومًا} [الإسراء: 22] في طلب الدنيا {مَّخْذُولًا} في طلب الآخرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت