ثم أخبر عن إرادتهم عملًا وضرب لهم مثلًا بقوله تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ} [البقرة: 171] ، والإشارة فيها أن {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ} وكان في عالم الأرواح عند الميثاق إذ خاطبهم الحق بقوله {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] ، كمثل الذي ينعق بما لا يسمع {إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً} ، لأنهم كانوا في الصف الأخير؛ إذ الأرواح كانت جنود مجندة في أربعة صفوف، وكان في الصف الأول أرواح الأنبياء - عليهم السلام - وفي الثاني أرواح الأولياء، وفي الثالث أرواح المؤمنين، وفي الرابع أرواح الكافرين، فأخرجت الذرات التي استخرجت من ظهر آدم من ذرياته، وأقيمت كل ذرة بإزاء روحها، فخاطبهم الحق {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] ، قالوا: {بَلَى} ، فالأنبياء - عليهم السلام - سمعوا كلام الحق كفاحًا بلا واسطة، وشاهدوا أنوار جماله بلا حجاب، ولهذا استحقوا هاهنا النبوة والرسالة والمكالمة والوحي، الله أعلم حيث يجعل رسالته.
والأولياء سمعوا كلام الحق وشاهدوا أنواع جماله من أنوار حجاب أرواح الأنبياء ولهذا هاهنا احتاجوا إلى متابعة الأنبياء، فصاروا عند القيام بأداء حق متابعتهم مستحقي الكلام والإلهام من وراء الحجاب، والمؤمنون سمعوا خطاب الحق وراء حجاب أرواح الأنبياء وحجاب أرواح الأولياء، ولهذا هاهنا آمنوا بالغيب وقبلوا دعوة الأنبياء، وإن بلغتهم من وارء رسالة جبريل عليه السلام وحجاب رسالة الأنبياء فقالوا: سمعنا وأطعنا، ومما يدل على هذه التقريرات قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا} [الشروى: 51] ، يعني الأنبياء أو من وراء حجاب يعني الأولياء أو يرسل رسولًا يعني المؤمنين: والكفار لما سمعوا من الخطاب نداء من وراء الحجب الثلاث، كانوا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء، فما شاهدوا من أنوار جمال الحق لا قليلًا ولا كثيرًا {إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15] قرأت، وما فهموا شيئًا من كلام الحق إلا أنهم سمعوا من ذرات المؤمنين ومن وراء الحجاب لما قالوا {بَلَى} لتقليد بلى، ولهذا هاهنا قلدوا ما ألفوا عليه آباءهم كقوله تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ} [الزخرف: 22] ، فلما تعلقت أرواحهم بالأجساد فكدرت بكدورات الحواس والقوى النفسانية وأظلمت بظلمات الصفات الحيوانية {رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14] ، من التمتعات البهيمية والحركات السبعية والأخلاق الشيطانية واللذات الجسمانية، فأصمهم الله وأعمى أبصارهم فهم الآن {صُمٌّ} [البقرة: 171] ، عن استماع دعوة الأنبياء ليسمع القلوب {بُكْمٌ} [البقرة: 171] ، عن قول الحق والإقرار بالتوحيد {عُمْيٌ} [البقرة: 171] ، عن رؤية الآيات والمعجزات {فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 171] لأنهم أبطلوا بالرين صفاء عقولهم الروحانية، وحرموا عن فيض الأنوار الربانية وأيضًا {لاَ يَعْقِلُونَ} لأنهم {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} .