[النور: 55] والمؤمنين ملازمة الإيمان كما قال: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى} [الفتح: 26] .
قوله: {قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَبًا} [يوسف: 47] قال يوسف لهم: ما بين أيديكم أيام السعة ومن بعدها أيام المحنة، فادخروا في السعة للضيق، ومن أيام النعمة لأيام المحنة، ومن أيام الزائلة لأيام الباقيات، فيا مؤمن أنت في دار الدنيا في نعمة ومكنة وفسحة، فخذ من نفسك لنفسك، ومن حياتك لموتك، ومن فراغك لشغلك، ومن غنائك لفقرك.
وقوله: {فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ} [يوسف: 47] أي: إن إظهرتموه فأصابه الغبار والآفات وأكله الديدان والأكلة، فييأسون من جعل طاعتك تخفيًا كيلا يصيبها آفات الرياء والعجب فتحبط وتصير هباءً منثورًا، وكان أمر براءة يوسف خافيًا، فلمَّا باحت وأظهرت الستر {حَصْحَصَ الْحَقُّ} [يوسف: 51] وأقرت هي بجرمها وببراءة يوسف، فكذا في القيامة بتبين أمر المطيع من أمر العاصي، ويتيمز المجرم من الصالح كما قال: {وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ} [يوسف: 59] ، وقال: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَآئِرُ} [الطارق: 9] .
وقيل: من له ذخيرة في أيام القحط فإنه يكون مسرور الحالة، ومن يكون فقيرًا معدمًا فإنه يكون حزينًا متحيرًا، فكذا أمر المطيع والعاصي في القيامة؛ فالمطيع: {فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} [الحاقة: 21 - 22] والعاصي في حسرة يا لها من حسرة {يَقُولُ يالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} [الفجر: 24] وفي القحط يتضرع الفقير إلى الغني ولا يغنيه ذلك، وكذلك في الآخرة يتضرع العاصي إلى المطيع؛ لينجو عليه بحسنة ولا تسمح نفسه بذلك لا يتحمل عنه خطيئة واحدة كما قال: {وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [فاطر: 18] .
ويحكى أنه لمَّا اشترى يوسف أهل مصر ولم يبق لهم شيء وبقي من سنين القحط بقية قالوا ليوسف: نحن الآن عبيدك ونفقتنا عليك وقد جعنا، فتحير يوسف فأتاه جبريل وقال: اخرج إليهم فإن الله تعالى جعل مشاهدتك غذائهم، فأمر يوسف أن يخرج أهل مصر بنسائهم ورجالهم وصبيانهم ويقفوا بالطرقات ففعلوا وخرج يوسف ومر بهم، فلمَّا رأوه شبعوا ولم يحتاجوا إلى الطعام والشراب وإلى أسبوع آخر، فجعل الله لقاء يوسف غذاء لهم سنة كاملة إلى أن حصل الخصب والنعمة، وإنما لم يلم يوسف في تزكية نفسه {إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف: 55] لأنه راد حفظ أمور الرعية، وبث العدل بينهم، والإنفاق عليهم بقدر ما يكفيهم لئلا يهلكوا بسنين الجدب، وأراد بتولي ذلك إبقاءً عليهم، ومراعاة لحياتهم، وأراد تحقيق رؤياه؛ ليصل إليه إخوته منقادين خاشعين لحاله، ويصل هو إلى لقاء الشيخ الجزين عليه السلام.
قوله: {فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} [يوسف: 58] قيل: إنما أنكروا؛ لأنهم كانوا قد جفوه، والجفاء يورث الوحشة ويذهب الألفة، ويورث المخالفة ويذهب الموافقة، ويورث المحاربة ويذهب المسالمة، ويبعد ولا يقرب، وينكر المعروف، ولمَّا صفوا تحت سريره فكان بلسان الحال ناداه انظروا ماذا فعلتم بيوسف؟ وماذا صنع الله به؟ أنتم أهنتموه واللهُ أعزه، وأنتم جعلتموه في الجب واللهُ جعله على سرير الملك؛ ليعلم العالمون أن العزيز من أعزه الله، والذليل من أذله الله،