فهرس الكتاب

الصفحة 777 من 1648

[يوسف: 33] أي: الدعاء باسم الرب آداب الملائكة والأنبياء المرسلين، قال الله تعالى خبرًا عن حملة العرش: إنهم يقولون:

{رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ} [غافر: 7] .

وقال إبراهيم: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} [الصافات: 100] {رَّبَّنَآ إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي} [إبراهيم: 37] {قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي} [نوح: 21] ، قال موسى {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي} [الأعراف: 151] وقال شعيب: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف: 89] وعلَّم نبينا - صلوات الله وسلامه عليه - يدعوه باسم الرب قال: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا} [آل عمران: 191] .

وقيل: قال يوسف: {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ} [يوسف: 33] وقال الغافل: الدنيا أحب إليَّ ورضي بالحياة الدنيا، وقال الكافر: عبادة الصنم أحب إليّ ورضي بالحياة الدنيا {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} [البقرة: 165] ، وقال المؤمن: الرب أحب إليّ من نفسي وروحي {وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا للَّهِ} [البقرة: 165] وكلٌّ موكلٌ بمحبوبه، فللكافر صنمه ولصاحب الدنيا دنياه، وللمؤمن مولاه كما قال: {أَنَّ اللَّهَ مَوْلاَكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الأنفال: 40] .

وقيل: السجون ثلاثة: سجن يوسف، وسجن يونس، وسجن المؤمن.

* قال يوسف: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} [يوسف: 33] أي: من فراق الخليل، وعصيان الجليل، ومن مقاساة النيران، ومن سرابيل القطران.

* وأمَّا يونس: فلمَّا حبس أقر بالظلم على نفسه فقال: {سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87] ولما ذم نفسه فهو ممدوح، ولمَّا مدحه الله بقوله: {فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ} [الصافات: 143] ليعلم أن من مدح نفسه فهو مذموم، ومن ذم نفسه فهو ممدوح، ولمَّا مدح إبليس نفسه فقال: {أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ} [الأعراف: 12] ذمه الله تعالى بقوله: {أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ِالْكَافِرِينَ} [البقرة: 34] فلمَّا ذم آدم نفسه بقوله: {رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} [الأعراف: 23] مدحه الله تعالى {ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ} [طه: 122] وكذا الكفار مدحوا أنفسهم فقالوا: {أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ} [الأنعام: 53] فذمهم الله بقوله: {أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ} [البينة: 6] ولمَّا ذم المؤمنون أنفسهم بقولهم: {ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} [الأعراف: 147] مدحهم الله تعالى بقوله: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ} [التوبة: 112] .

*وأما الدنيا فإنها سجن المؤمن وإن كان غنيًا متنعمًا فيها، فذلك بالإضافة إلى نعيم الجنة سجن وأن الكافر وإن كان فقيرًا فذلك بالإضافة إلى عذاب الآخرة جنة.

وقيل: سميت الدنيا سجن المؤمن؛ لأن من سجن فإنه يقدم ما معه إلى بيته، والمؤمن ينبغي أن يقدم ما معه إلى داره وهي الآخرة.

* ولأن المسجون أبدًا يلزم نفسه ويقول: مالي ولهذا العصيان، والمؤمن يقول: مالي وزخارف الدنيا وغرورها ومكرها.

* ولأن المسجون ممنوع من مراده ومقصوده كما شاء، فكذا المؤمن ممنوع عما يشاء ويهواه من أمانيه البطالة.

* ولأن المسجون يخاف كل ساعة أنه يخرج ويقام عليه الساسة، والمؤمن ممنوع عما يشاء ويهواه من أمانيه إلى القيامة ويقام عليه ما يستحقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت