قوله: {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ} [يوسف: 30] ، قيل: أحببن ثلاث نسوة ثلاثة من المؤمنين فنلن أكبر مما طلبن:
* الأولى: أحبت امرأة العزيز يوسف عليه السلام فنالت من بركته المعرفة، فيحكى أن هؤلاء النسوة اللاتي قطعن أيديهن قلن ليوسف وهو في السجن: أحب سيدتك التي اشترتك وإن أردتنا فنحن لك، فيقول يوسف: معاذ الله لا أعصي الله وإن بقيت في السجن، ولمَّا علم عزيز مصر أن امرأته عشقت يوسف حلف أنه لا يخرج من السجن ما دام حيًّا، فتفكرت المرأة وقالت: شاب حديث السن ويخاف عقوبة الله فأنا أولى أن أخاف، فآمنت واشتغلت بعبادة الله تعالى.
* الثانية: آسية امرأة فرعون أحبت موسى فنالت ببركة موسى الجنة {إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ} [التحريم: 11] .
* الثالثة: خديجة - رضي الله عنها - أحبت محمدًا صلى الله عليه وسلم قبل النبوة نالت بركة الهداية بالإسلام، فمحبة أولياء الله سبب لنيل الرحمة فما ظنك بمحبة الله تعالى.
وقيل أيضًا: هؤلاء النسوة أصابتهن الغمة والمحنة، فالغمة نعمة الضيافة، والمحنة قطع الأيدي، ثم كن تنسين الكل عند رؤية يوسف، فكذا المؤمن تصيبه النعمة والمحنة في الدنيا، وفي القبر يرى الوحشة، وفي القيامة يرى الأهوال، وعلى الصراط يرى أنواع عذاب جهنم، وفي الجنة يرى ألوان نعمها، فإذا أكرم برؤية الله تعالى نسي الكل وشغله عن كل نعيم، قال الحسن: لو يبقى أهل الجنة في الرؤية على حالتهم لا يخطر ببالهم شيء.
وقيل: هؤلاء النسوة يحملن ما أصابهن في مشاهدة يوسف، وكذا المرء يتحمل مؤنة الزوجية بمشاهدة الأهل والولد فكيف لا يتحمل مدعي المحبة الله تعالى مشقة بلائه طمعًا في مشاهدته؟
وقيل: هؤلاء النسوة لمَّا شغلن بجمال يوسف قطعن أيديهن ولم يحسسن بذلك، فلمَّا أفقن وجدن ألم القطع والتلوث بالدماء وبقيت الحسرة عليهن، فكذا طالب الدنيا يتعب نفسه بطلبها ويتحمل المشاق في جمعها ويبتلى بذلك ولا يحس بآلامها، ثم عند انقطاع الأنفاس يفيق من سكرته ويرى ديوانه مسودًا بالسيئات وعمره ضائعًا في الزلات ويبقى في غصص الحسرات نعوذ بالله منها.
وقيل: أكمل الله تعالى ليوسف ثلاث أشياء الحسن كما روي أنه أعطي ثلثي الحسن، وحكي أنه في سنة الجدب كانوا ينظرون إليه فيشبعون، وكانت رؤية عذابهم وكانوا لا يحسون بألم الجوع في مشاهدته، وأكمل له المحبة أيضًا فجمع له بين فراق الوالد وغصة الغربة ومشقة الجب والحبس والابتلاء بالنسوة، وأكمل له العصمة حتى عصم مع شدة السيئات، وشره الشهوة، وجمال النسوة، وإمكان انتهاز الفرصة، والتمكن من قضاء الشهوة في الخلق.
وقوله: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ}