{وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} [الحجر: 87] وفيه إشارة شريفة ودقيقة لطيفة وهي أن الله تعالى منَّ عليه بفاتحة الكتاب كما منَّ عليه بجميع القرآن، والسر فيه بأن جميع حقائق وأصول معانيه مندرجة في الفاتحة، كما ذكرناه فجعل فاتحة الكتاب ديباجة مناجاة العبد من الرب في الصلاة.
وبدأ افتتاحها بأسمائه الحسنى وصفاته العلى قال: {بِسمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1] ، ثم ثنى بحمد ذات الألوهية، وثلَّث بنعت صفة ربوبية التي هي من خصوصية الإجابة حيث قدمت على الدعاء كما مرَّ ذكره، وقال: {الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] .
ثم أكد التحميد لله بالثناء والتحميد وقال: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 3 - 5] ، ثم أعقبها سؤال حاجة فقال: ولعبدي ما سأل. ومن غاية اختصاص الرب بإجابة الدعاء، حتى أن إبليس بعد ما لعن وطرد دعا الله تعالى بهذا الاسم، وقال: {رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الحجر: 36] ، فأجابه ربه لعظمه هذا الاسم وقال: {فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ} [الحجر: 37] ، ولكنه ما وفق تصرفه في تحصيل نعمة ولا يته بل كان حقه استدراجًا وكيدًا، كما قال تعالى: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [القلم: 45] .
فالمسكين إبليس لو كان من أهل الكرامة وفق لقوله: {رَبِّ فَأَنظِرْنِي} [الحجر: 36] ، بدل انظرني ولإجابة الله تعالى: {فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ} [الحجر: 37] ، بدل قوله: إنك من المنظرين، من خصوصية هذا الاسم شموله صفات لا يشملها غيره من الأسماء بمقتضى اللغة منها ما يدل على المدح لذاته وهو السيد لقوله تعالى: {اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} [يوسف: 42] أي: عند سيدك وكذلك المالك قال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل:"أرب إبل أم رب غنم؟ فقال: من كل ما أتاني الله فأكثر وأطيب".
ومنها: ما يدل على أنه خالق؛ لقوله إخبارًا عن موسى عليه السلام في جواب فرعون حين قال: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ} [الشعراء: 23 - 24] .
ومنها: ما يدل على كمال رحمته ولطفه في حق العالمين جميعًا عامًا وفي حق الإنسان خاصًا وفي حق الخواص خصوصًا، أما في حق العالمين فتربيتهم بأغذيتهم وأسباب بقاء وجودهم، وفي حق الإنسان خاصًا وهو أنه يربى ذرات وجودهم بألبان ألطاف ربوبيته عند الميثاق، وقال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى} [الأعراف: 172] ، وبرحمة ربوبيته خلقهم وبلطف ربوبيته خاطبهم، وبكرم ربوبيته أسمعهم وأبصرهم، وبسر ربوبيته أنطقهم وبفضل ربوبيته أعملهم، وبعناية ربوبيته أشهدهم، حتى قالوا: {بَلَى} وجعل بحكمة تدبير ربوبيته إقرارهم بذر التوحيد، وفي خواص الخواص من الأنبياء والأولياء فبأن يربي بذر توحيدهم في أرض قلوبهم بماء الشريعة والأديان ورياح الإيمان والإيقان وأنواع شموس الإحسان والعرفان وبقيمة الربوبية يتم عليهم مشاهدة جماله وكاشفة جلاله.