فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 1648

والحمد بمعنى الشكر على نوعيه: شكر الذات وشكر الصفات؛ فشكر الذات على نعمة الوجود، وشكر الصفات على بذل الوجود. والحمد بمعنى المدح على نوعين: مدح الذات بنفي الذات في الوجود إلا ذاته، ومدح الصفات ببذل الأوصاف وإنفائها في صفاته لتكون باقيًا بهويته لا بأنانتيك. {رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] ، فربوبيته بمعنى الخالقية والمالكية والسيدية عامة، وبمعنى التربية خاصة بحسب أنواع الموجودات متفاوتة؛ فهو مربي الأشباح بأنواع نعمه، ومربي الأرواح بأصناف كرمه، ومربي نفوس العابدين بأحكام الشريعة، ومربى قلوب المشتاقين بآداب الطريقة، ومربي أسرار المحبين بأنواع الحقيقة، وهو مدبر كل أمر حكيم من الأزل إلى الأبد، وهو متم نعمته الظاهرة والباطنة في الدنيا والعقبى على عباده والمؤمنين، كما قال تعالى: {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة: 3] .

ومتم أنوار الأسرار الطالبين كما قال تعالى: {وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ} [الصف: 8] ، وهو المنعم على الموجودات بأنعام الإيجاد عامة، ونعمة الهداية خاصة؛ لقرب اختصاصه بإجابة الدعاء؛ لأن الله تعالى أمر عباده بالدعاء ووعدهم عليه الاستجابة بقوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] ، ثم علمهم كيف يدعونه وبأي اسم يدعونه بقوله تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: 55] .

وذكر في مواضع كثيرة من القرآن بصيغة الدعاء كقوله تعالى: {رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة: 201] ، وأمثاله كثيرة وألهم الله أنبياءه ورسله - عليه السلام - عند طلب الحاجة وإجابة الدعاء أن يدعوا بهذا الاسم؛ أولهم آدم عليه السلام كما قال تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} [البقرة: 37] ، قيل كانت قوله: {رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا} [الأعراف: 23] ، فأجابه وتاب عليه وهدى، ثم دعا نوع عليه السلام قال: {رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح: 26] ، ثم دعا إبراهيم عليه السلام وقال: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} [البقرة: 260] ، ثم دعى موسى عليه السلام وقال: {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ} [يونس: 88] ، ثم دعا يوسف عليه السلام وقال: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ} [يوسف: 101] ، ثم دعا سليمان عليه السلام وقال: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِي} [ص: 35] ، ثم دعا زكريا عليه السلام وقال: {رَبِّ إِنَّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي} [مريم: 4] ، ودعا يحيى عليه السلام وقال: {وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} [مريم: 6] ، ثم دعا عيسى عليه السلام وقال: {اللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ} [المائدة: 114] ، ثم أمر حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم أن يدعوه وقال: {رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114] ، ثم ندب المؤمنين في مواضع القرآن أي قوله: ربنا، وغير هذا من الأنبياء والأولياء دعوه بهذا الاسم فأجابهم بفضله وكرمه؛ لعزة هذا الاسم وعظمته، فالله تعالى لما أكرم هذه الأمة وأقامهم مقام المناجاة معه، وأمرهم بالدعاء ووعدهم عليه بالإجابة، منَّ على حبيبه صلى الله عليه وسلم وأمته بالسبع المثاني بقوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت