فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 1648

"لا أحصي ثناء عليك"وعلم أنه لا بدَّ له من امتثال الأمر وإظهار العبودية، فقال:"أنت كما أثنيت على نفسك"فهذا ثناء بالتقليد لأنه أثنى عليه بثنائه الذي أثنى الله به على نفسه في الأزل ثناء يليق بذاته وصفاته الأزلية على التحقيق، ولم يبلغ علم مخلوق حادث كنه صفة من صفات الله تعالى الأزلية، كما قال تعالى: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ} [البقرة: 255] ، حتى يثني عليه بمعرفة كنه صفة من صفاته؛ لأن الثناء فرع المعرفة فما أثنى أحد على الله تحقيقًا إلا تقليدًا، فافهم جدًّا.

وأما الشكر أيضًا فلا يتحقق الإنسان بشكر أنعم الله إلا برؤية العجز عن القيام بأدائه كما حكي عن داود عليه السلام أنه قال:"إلهي كيف أشكرك وأنا لا أصل شكرك إلا بنعمتك؟ فأوحى الله إليه: الآن شكرتني"وذلك لأن توفيق الشكر نعمة موجبة للشكر فلا نهاية لنعمه، فكيف يدرك الشكر المحادث النعمة التي هي غير متناهية؛ لقوله تعالى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34] ؟

وأما المدح فلا يمكن الإنسان أن يمدح الحق حقيقة أيضًا؛ لأن المدح يدل على كمال معرفة الذات والصفات حتى لا يذكره على ما هو به، وذلك محال؛ لقوله تعالى: {وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الزمر: 67] ، فلهذا حمد نفسه بالثناء والشكر والمدح، وقال {الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] أي: له أن يحمد ذاته الأزلي الأبدي بالحمد الأزلي الأبدي بالحمد الأزلي الأبدي، والحمد لا يصلح إلا له فهو محمود بحمده أزلًا وأبدًا، والحمد له أما الحمد لله إشارة إلى ثناء ذاته بالإلهية، {رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] ، إشارة إلى شكر أنعام الربوبية على ربوبيته.

{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 3 - 4] ، إشارة إلى مدح ذاته لجميع صفات لطفه وقهره وجماله وجلاله في كماله وملكه بمالكيته وملكيته في الدنيا والآخرة قبل خلقها، وفيه دلالة على أنه ما أثنى وما شكر وما مدح الله أحدًا إلا الله تعالى، كما قال تعالى، كما قال بعض المشايخ: ما قال أحدًا إلله إلا الله، فلما عجز الخلق عن الثناء والشكر والمدح، فالثناء للسان والشكر للأركان؛ لقوله تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا} [سبأ: 13] . والمدح للجنان. شكر اللسان يعصمك من سيف السلطان ويسلمك من آفة الكفران، وشكر الأركان ينجيك من دركات النيران ويبلغك إلى درجات الجنان، ومدح الجنان يقربك إلى الرحمن ويشرفك بخلع الغفران، فالحمد بمعنى الثناء على نوعين: ثناء الذات بالوحدانية والفردانية الأزلية الأبدية في الألوهية، وثناء الصفات بأنهما موصوفة بصفات الكمال منزهة عن النقصان والزوال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت