{قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ} [الإسراء: 110] .
وثالثها: أن الرحمن أقرب إلى اسم الله من سائر الأسماء، يدل على هذا القرآن والحديث أما القرآن فقوله تعالى: {بِسمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1] ذكر بعد اسم الله الرحمن لقربته إلى الله، وأما الحديث ما روي أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن لله تسع وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم. . . الحديث".
ذكر بعد اسم الله الرحمن وقدمه على سائر أسماء الصفات فعلمنا أنه أقرب الأسماء إلى الله، وأما الفرق بين الرحمن والرحيم وإن كانا اسمين مشتقين من الرحمة أن الرحمن من صفة جلاله، والرحيم من صفة جماله، والفرق بينهما أن الجلال متوسط بين الذات الإلهي والذي من شأنه القهر والعزة التي اقتضت ونفي شركة الوجود بين صفة الجمال التي من شأنها اللطف والرحمة التي اقتضت الإيجاد والإبقاء، فنسبة أحد طرفي الجلال إلى قهَّارية الذات فيه طرف من القهر، وبنسبة أحد طرفيه إلى رحيميَّة الجمال فيه رحمة، فالرحمة فيه تغوث بقوة القهارية، فصارت أقوى من رحيميَّة الجمال، فأعطيت المبالغة في الرحمة والقهر فيه صار مسبوقًا ومغلوبًا بلطف الرحمة بقوله تعالى:"سبقت رحمتي غضبي"وفي رواية:"غلبت رحمتي غضبي"فالقهر المسبوق بالرحمة والرحمة المقوية بالقهر هو الرحمن الرحيم المبالغ في الرحمة، فثبت أن الرحمن من صفة الجلال، والرحيم من صفة الجمال، ولهذا جاء الرحمن واسطة بين الله والرحيم في {بِسمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، وإذا كان الرحمن متوسط بين القهر الصرف وبين اللطف المحض فتارة بالقهر يقتضي الإفناء وتارة باللطف يقتضي الإثبات، كما أخبر الله تعالى عن صفة إفنائه بقوله: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلاَئِكَةُ تَنزِيلًا * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ} [الفرقان: 25 - 26] .
وأخبر عن صفة إيجاده وإثباته بقوله: {الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ} [الفرقان: 59] أي: الذي ظن هو الرحمن فظهر أن الرحمن أكثر مبالغة في الرحمة من الرحيم، وفيه طرف من هيبة الألوهية وهو مخصوص دون الرحيم، فالحمد لله شامل الثناء والشكر والمدح، أما الثناء فيكون بذكر الصفات الحميدة إذا قلت: هذا رجل كريم، فقد أثبت عليه والشكر يكون على النعمة من المنعم بأي معروف أولاك به.
وقال تعالى: {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7] أي: في النعمة والمدح أن تذكر الرجل بجميع ما فيه من الخصال الحميدة وتنفي عنه جميع الصفات النقيصة التي لم تكن فيه، وليس من شأن المخلوقين أن يحمدوا الله بهذه المعاني الثلاثة الحقيقية إلا تقليدًا ومجازًا، أما الثناء فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لما خوطب ليلة المعراج: يا نبي إني على علم أن هذا ليس من شأن المخلوقين، فقال: