فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 1648

ما قال تعالى في حق نبينا صلى الله عليه وسلم: {وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا} [الفتح: 2] ، ثم شرَّف أمته ببركة متابعته بهذه التشريفات وأنعم عليهم بهذه الكرامات والدرجات عند طلب الهداية إلى الصراط المستقيم في تقديم ذكره ومقامه {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 3 - 4] ، الرحمن الرحيم فائدة التكرار فيهما من وجهين، أحدهما: أن ذكرهما في بسم الله الرحمن الرحيم هو مبدأ الكتاب ومفتتح الخطاب بأنه هو الرحمن الرحيم بأن دعاكم بالإلهية إلى الطاعة والعبادة، وإنما دعاكم ليغفر لكم بالرحمانية والرحيمية؛ لقوله تعالى: {يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ} [إبراهيم: 10] .

وأما ذكرهما في الفاتحة عقيب الحمد لله رب العالمين الذي هو المدح"يقول العبد: الحمد لله رب العالمين، يقول الله: حمدني عبدي، ويقول العبد: الرحمن الرحيم، يقول الله: أثنى عليَّ عبدي. . . الحديث"فثبت أنهما في الفاتحة للثناء فذكرهما في البسملة من الله تعالى، لاستمالة قلوب العباد على العبودية بالرحمة والغفران، وفي الفاتحة من العباد للثناء على الله تعالى وبالجمال والجلال للقربة والرضوان، والثاني: ذكرهما في البسملة لتسكين الهيبة ورفع الدهشة من عظمة اسم الله تعالى عن عباده كما كان حال موسى عليه السلام حين خاطبة: ب {إِنِّي أَنَا اللَّهُ} [القصص: 30] كادت تزهق نفس موسى من هيبة استماع اسم الله، فانبسط معه على بساط العزة لإزاحة الدهشة والإراحة من الوحشة بقوله تعالى: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} [طه: 17] ، ولأن يستأنس برحمانية ورحيمية نفوس العباد إلى عبادة الله تعالى، وتطمئن قلوبهم بذكر الله كما قال تعالى: {أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28] ، ليستعدوا بذلك لمناجاته وليستحقوا المدح والثناء على ذاته وصفاته، فيناجونه في الصلاة ويذكرونه بالدعاء ويعرفون إليه الحاجة؛ ليديهم إلى نيل الدرجات ورتب القربات.

{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] ، الإشارة فيه إلى أن الدين في الحقيقة الإسلام، يدل عليه قوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ} [آل عمران: 19] ، والإسلام على نوعين: الإسلام بالظاهر وإسلام بالباطن، فإسلام الظاهر بإقرار اللسان وعمل الأركان لقوله تعالى: {وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14] ، وقال صلى الله عليه وسلم: في جواب جبريل عليه السلام: ما الإسلام؟ قال:"الإسلام أن تشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا"فهذا الإسلام جسداني والجسداني ظلماني، ويعبر عن الليل بالظلمة، وأما الإسلام الباطن فانشراح القلب والصدر بنور الله بقوله تعالى: {أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} [الزمر: 22] ، فهذا الإسلام الروحاني نوراني ويعبر عن اليوم بالنور، فالإسلام الجسداني يقتضي إسلام الجسد لأوامر الله تعالى، ونواهيه، والإسلام الروحاني يقتضي استسلام القلوب والروح لإحكامه الأزلية وقضائه وقدره، فمن كان موقوفًا عند الإسلام الجسداني، ولم يبلغ مرتبة الإسلام الروحاني فهو بعد في سير نعمة الدين مترف ومتحير، فيرى ملوكًا وملاكًا كثيرة كما كان حال الخليل عليه السلام فلما جن عليه الليل رأى كوكبًا قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت