أرشيف المقالات

حرمة البيان

مدة قراءة المادة : 10 دقائق .
8 للأستاذ عبد المنعم خلاف - 2 - لا تزال في نفسي بقية من هذا الحديث، هي حديثي عن واجب الأدباء في أن يكونوا مخلصين لفنهم وأنفسهم فيصنعوا المقالة الأدبية كما يصنع المهندس بيتاً لنفسه يعيش فيه، يري فيه ويرى له الناس أنه مأواه وحصنه وعش أطفاله. حينئذ سيلمس القارئون نبضات قلوب الكتاب في الألفاظ كأنهم يضعون أيديهم منها على أجسام حية.

وحينئذ سيعز على الكتاب أن يرسموا صورا بأيديهم ثم يدوسوها بنعالهم.
.
وأن يخلقوا خلقا جميلا ثم يئدوه ويدفنوه.
فمن حرمة البيان أن يعيش فيه أصحابه ولا يتركوه ألفاظا خربة كالتماثيل الجامدة القائمة من غير روح الحياة. أجل! إن صنع الألفاظ أكبر مسئولية من صنع التماثيل والدمى والصور، يحتاج إلى أن ينطق بها صاحبها ويفعل ما ينطق.
فإذا خص أديب الطبقة الفقيرة برعاية قلمه فواجب أن يخصهم برعاية جيبه.
وإذا أكثر من أدب القوة فليكثر على الأقل - من مواقف الرجولة والبطولة في محيطه وإذا أدمن على تصوير الجمال فلا أقل من أن يكون نظيف النفس والثوب مهندم المظهر بقدر الإمكان.
. وإذا أكثر في أدب النفس فحذار أن يخالف على أمره فيقذف من حالق وتهوى به الألسنة والأقلام في مكان سحيق، ثم يرجم برجوم من ألفاظه هو.
. وهكذا يعيش الأديب الحق كما تعيش دودة القز لعمل القز ثم (تموت) في صميم ما صنعت لتبعث منه خلقاً آخر: فراشاً جميلاً طائراً على الأزهار.

وكذلك يبعث الأديب الصافي بعد موته روحاً رفافاً على الأرواح.
. أريد وأتمنى أن يعيش الأديب المبين دائماً بصميم نفسه التي يرسمها في صحفه ولا يدعها تفارقه لحظة.
فالذين يواجهون الحياة دائماً بنفوسهم وبمثلها العالي وبوسيلتها إليه وإيمانها به.

هؤلاء هم الذين يتركون آثارهم ويشقون طريقهم ولو في الصخور.

لأنهم ألحوا على جبهة واحدة في الحياة، ولم يتخذوا لأقلامهم سبيلا عوجاء؛ فكان من اللازم المحتوم أن ينفذوا من السدود، ولو كان مبلغ آثارهم قطرة واحدة متكررة دائبة كما يقول إنجيل برنابا ما معناه: القطرة الصغيرة المتكررة تشق الصخرة الكبيرة أو تترك فيها آثارها والأديب المخلص لمثاله العالي الذي يصوره لا يتعب دارسيه في تطبيق حياته على آرائه، ولا يحملهم على الإسراع بالشك في تلك الآراء حين يرونه في حياته الخاصة بعيداً عنها مكذباً لها ولا يحملهم كذلك على رجمه بألفاظه كما رجم حسان بن ثابت بأبياته في الشجاعة إذ كان جباناً، وكما رجم أبو العتاهية بأبياته في الزهد إذ كان بخيلا، وكما رجم البحتري بأبياته في الجمال إذ كان قذراً، وكما رجم المتنبي بأبياته في الحكمة إذ كان أخرق وإن كان قد كفر عن جرمه هذا بإسراعه إلى تلبية نداء شعره حين ذكره غلامه ببيته: الخيل والليل والبيداء.

الخ.
وقتل دفاعاً عن حرمة بيانه، وكتب بيته ذاك بدمه بعد أن كتبه بمداده.
فأمثال من ذكرنا من الأدباء حكم عليهم التاريخ ببقاء ألفاظهم خربة من نفوسهم.
ولكن ما الفائدة من أن أقول قال فلان كذا.

بينما تاريخ فلان هذا يقول لي كذب صاحبك! لا جرم أن تطير هالة الخيال إذا رُئي المثال، وأن يدخل البيان إلى النفس في استحياء وخجل تكاد تُزْلقه عيون الشبهات! فالخلود الحق للأديب أن تعيش نفسه في نفوس قارئيه مع كل كلمة من كلامه تملؤها وتشرحها وتشير إلى النموذج الذي حققته الحياة.
فليحذر الأدباء أن يحكم على ألفاظهم رعاة الإنسانية الذين وضعت الأقدار في أيديهم موازين الحكم والنقد والاعتبار كما حكم محمد رسول الله على أمية بن أبي الصلت أنه (قد آمن شعره وكفر قلبه) أنا بالطبع في دنيا غير دنيا أكثر الأدباء التي يعيشون فيها ويأخذون منها أفكارهم.

أناديهم من مكان بعيد.

ولكن ما حيلتي والحقائق الكبرى في الحياة هي التي توحي بذلك.

الإيمان والحق والخير والجمال والحب والقوة، تلك المعاني التي حملها وحدها الرجال الأمهات.
! الذين ولدوا الإنسانية وعاشوا لها وعاشت في نفوسهم وتقاليدهم.
ولم يخلد من الأدباء بل من الناس جميعاً إلا خدام هذه الحقائق مجتمعة أو منفردة.
وخدمتها لا تكون أول ما تكون بألفاظ وأناشيد.

وإنما بالنفس! ومعنى خدمتها بالنفس أن تفقهها وتراها رأى العين أنها أعمدة السموات والأرض فتلوذ بها وتعيش معها دائما، ثم تخلقها هي مرة ثانية بالقول الجميل أو اللحن الجميل أو الرسم الجميل.
إني إنسان سائر مع الطبيعة.

أستحي من وجوهها الصادقة أن أمر عليها بوجه كاذب.

وإن صداقتي لها أمر ثمين عندي أثمن من صداقة الناس.
.
وإني أستحي من الجماد والنبات والحيوان أن أكون أقل منه صيانة لقانون الله بارئي وبارئ الفطرة.

والتناسق والنظام يحتمان عليَّ أن أسير في مواكب الطبيعة على قدم واحدة وموسيقى واحدة وإشارة واحدة.
لماذا يكذب الإنسان وحده؟! إن النحلة لا تخرج علقما.

والحية لا تقبِّل الخدود.

والحنطة لا تنبت عقارب.

والنار تحرق دائما.
.
والماء يغرق دائما.
إن كل شيء صادق في الدنيا فلماذا نكذب نحن؟! عجبا أعجبه معك يا أبا العلاء حين تسأل عن النجوم: وتكذب؟! إن المين في آل آدم ...
غرائز جاءت بالنفاق وبالعهر نكبة الأدب هي التزوير فيه: تزوير النفس وتزوير الحياة حتى تستحيل إلى خيال شارد.
. لماذا يتغزلون وهم لا يحبون؟ ولماذا يمدحون وهم يكرهون؟ ولماذا يتظرفون وهم ثقلاء؟ ولماذا يتحمسون وهم خونة جبناء؟ ولماذا يفخرون وهم ناقصون؟ ولماذا يسودون الحياة في وجه الناس وهي بيضاء، ويبيضونها وهي سوداء؟ لماذا يبلبلون قلوب الناشئين ويبذرون فيها بذور الشك في الحقائق الثابتة التي لا يمكن الدنو منها والحكم عليها إلا بعد الامتلاء والانتهاء من العلم والدين والفن وتجارب الحياة؟ أكل هذه الفتنة القول والقوافي والأسجاع والنكات والشهرة؟! أتت علل المنون فما بكاهم ...
من اللفظ الصحيحُ ولا العليلُ كلا بل ضحكت منهم الألفاظ وشيعتهم ساخرة يا أبا العلاء! إن الخواطر لا تنتهي، وإطلاقها ينتهي بعقول أصحابها إلى الجنون.

وحرية الأفكار ليس معناها حرية الطباع، والحرية الفكرية معناها تقديم مقترحات ضد بعض الأوضاع والتقاليد التي يرى ناقدها أنها فاسدة ولكن في عرض جميل.

لا تقديم خواطر تهجم على حق أو تجرح فضيلة.
ويا ويل من يقع قلبه فريسة لأدب الأدباء المزورين! إنه لا يتيقظ إلى أنهم متناقضون متهافتون إلا بعد فوات الأوان.

بعد أن ينطبع ذهنه على قبول الخيال الناقص والكاذب ويقئ الحقائق ولا يهضمها.
والأدباء المزورون أهل شطحات، ينسون فيها كل ماضيهم وآرائهم فيناقضون أنفسهم مناقضة فاضحة إلى حد أن يحكموا على أنفسهم أحكاما قاسية مسقطة لعدالتهم الأدبية وهم لا يشعرون وهم لا يصدرون آرائهم عن وجهة واحدة في الحياة، ولذلك تراهم (في كل واد يهيمون) وليس لهم مذهب ورأي ذو سلطان له مدرسة وتلاميذ يتشيعون له ويعيشون لنشره وشموله ولو أقتصر كل منهم على المتح مما في نفسه من منابع الإلهام وعلى رصد مخلوقات قلبه، ولم يتكلف نظم قول لا يؤمن به ولا يحسه حياً في نفسه، إذاً لظفرت الآداب بكنوز من دفائن القلوب، ولأحس القارئون حين يقصدون إلى فصل أدبي، أنهم قادمون على معرض جميل من معارض الحياة لفنان صادق.
فواجبهم أن يستحضروا الجد ويقظة الدرس والتحصيل لما في هذا المعرض من آراء وأرصاد ورؤى وفكاهات وعضات قنصها ذلك الفنان الصادق من خواطره وإلهامه ليقدمها للناس على أنها نتيجة التقائه بالحياة.
ومجتمع الرأي: أنني لا أومن بالأدب ولا أعترف بحرمة البيان - ذلك الجانب المقدس في الإنسان - على أنه تسلية وتزجية فراغ تقصده النفس في غير إجلال، وتلعب فيه الأيدي بالأقلام لعب الأرجل بالكرة.

وإنما أُومن به على أنه - في مجموعه - معرض للآراء المصححة لأغلاط الحياة، وللمشاعر النبيلة من حياة القلوب، وللموسيقى اللفظية التي تساعد على خلق جو روحي أثناء القراءة وأختتم هذا الحديث بإيراد أقصوصة تمثيلية قرأتها في بعض الآثار اليهودية، وهي تمثل حرمة البيان وجنابه العظيم: قيل أنه لما فرغ الله من خلق الدنيا قال لأحد الملائكة: أنظر هل ترى في السماء والأرض والماء والهواء نقصاً؟ فنظر ثم عاد فقال: لا ينقصها إلا شيء واحد يا رب، هو الكلام الذي يبين ما فيها ويتحدث عنها.
فخلق الله ذلك النوع الممتاز! (القاهرة) عبد المنعم محمد خلاف

شارك الخبر

المرئيات-١