أرشيف المقالات

أقيلوا ذوي الفجور عثراتهم

مدة قراءة المادة : 3 دقائق .
2أقيلوا ذوي الفجور عثراتهم
 
ما هكذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم، وما ينبغي له؛ وإنما الذي ثبَت عنه عليه أزكى الصلاة والتسليم قولُه: ((أقيلوا ذوي الهيئات عثراتِهم، إلا الحدود))[1]، ومعنى الحديث أن ذوي الهيئات من العلماء والناس الأخيارِ ممن عُرفوا بالصلاح والأخلاق السامية، والشيم النبيلة، والبُعد عن الخصال الذميمة والترفُّع عنها، فهؤلاء رغم كل ذلك قد يحصل منهم خطأٌ أو زلة أو هفوة، فيَكْبو بهم جَوادُهم؛ نظرًا لطبيعتهم البشرية، فحينها وجب إقالة زلاتهم وعثراتهم؛ بالتجاوز عنهم وعدم مؤاخذتهم بها، وترك المسارعة إلى فضحهم والتشهير بهم على رؤوس الأشهاد، إلا ما كان في حدٍّ من حدود الله، فحينها لا يُقالُ أحدٌ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لو أن فاطمة بنت محمد سرَقَت، لقطعتُ يدها))[2].
 
وبمفهوم المخالفة أن من عُرِفوا بالفساد والفجور وسوء الأخلاق، والعمل ليلَ نهارَ على إشاعة الفواحش بين الناس، وتزيينها لهم بكل ما أُوتوا من قوةٍ وسلطانٍ، فهؤلاء لا ينبغي التجاوز عن زلاتهم وعثراتهم؛ لأنهم طُبعوا على ذلك، فهو داخل في سجيتهم؛ فوجب ردعُهم، وعدم سترهم؛ تحذيرًا للناس من اتِّباعهم، والسير على نهجهم في حب الفساد، والتعلُّقِ به، والعمل على إشاعته.
 
غير أنه بالرجوع إلى الواقع البعيد عن معنى الحديث الراقي، الذي يُقيم لكل ذي قدرٍ قدرَه، ويحثُّ على حفظ سمعة الناس الأخيار، وبالتأمُّل في أحوال الناس اليوم، نجد أن المعايير انقلبت؛ حيث صار الشريفُ وضيعًا، والوضيعُ شريفًا، وسترُ الأخيار عملةً نادرةً، وفضحُهم والتشهيرُ بهم عملةً رائجةً، فلم نعد نستغرب أن يُشهَّر بالصالحين الأخيار لأتفه الأسباب، ولأبسط العثرات، فما من عالمٍ، وما من صالح اليوم، إلا ويُتربَّص به لاقتناص أخطائه في كلامه وآرائه؛ بل حتى في قيامه، وجلوسه، ومشيته؛ قصد المسارعةِ لفضحه، واتخاده مادةً دسمةً تتسلَّى بها النفوس المريضة على مواقع التواصل اللااجتماعي، وعلى صفحات الجرائد والمواقع الرخيصة أيامًا وشهورًا، دون مراعاةٍ للحالة النفسية أو العائلية للمعنيِّ بالفضح والتشهير، وفي الوقت نفسه نجد أولئك المتربصين يُسارعون إلى ستر المارقين والفاسقين ممن عُرفوا بارتكاب جرائمَ في حقِّ الأخلاق والدين، فيلتمسون لهم الأعذار، ويُوَقِّعون العرائض للتضامُن معهم؛ مراعاةً لنفسياتهم، ولعدم تحطيم معنوياتهم، وحرصًا على سلامة أهلهم وذويهم، وخوفًا على سُمعتهم، وكأن هؤلاء بشرٌ، وأولئك للأسف شجرٌ أو حجرٌ!



[1] أبو داود؛ في كتاب الحدود.


[2] مسلم؛ كتاب الحدود.

شارك الخبر

روائع الشيخ عبدالكريم خضير