تنبع أهمية المشاريع الاستثمارية من المهام الرئيسية في إطار التنمية الاقتصادية. وقد حاول العديد من الاقتصاديين المهتمين بقضايا التنمية تحديد الدور المرتقب لهذه المشاريع الاستثمارية في عملية التنمية الاقتصادية، استنادا إلى الدور الذي لعبته هذه المشاريع في البلدان المتطورة عندما كانت تجتاز مراحلها الأولى. إلا أن النظريات التي حاولت أن تعطي دورا مهما للمشاريع الاستثمارية ضمن عملية التنمية الاقتصادية، في حاجة إلى أن تأخذ بعين الاعتبار اختلاف السياق الذي توجد فيه الدول النامية اليوم عن ذلك الذي كانت توجد فيه الدول المتطورة بالأمس، فضلا عن تباين معطيات الاستثمار من بلد لآخر.
بالرجوع إلى فترة التخطيط نجد أن الصناعة تستأثر بحصة الأسد من مجموع الاستثمارات المخططة، فنجد تزايد حصة الصناعة أكثر من تزايد حصة البنية التحتية، وعلى حساب تقلص حصة الزراعة على الرغم من أن الهدف من التخطيط الصناعي هو ضمان التناسب الصحيح بين فروع الصناعة من جهة وبين الصناعات و القطاعات الأخرى من جهة أخرى. كما نجد أن حصة الاستثمارات المنفذة في قطاع المحروقات من مجمل الاستثمارات الصناعية قد فاقت الاستثمارات المخطط لها على حساب قطاع الصناعات الأساسية وامتدت آثار هذه الظاهرة إلى باقي قطاعات الاقتصاد الوطني أي استقطاب المحروقات لجزء كبير من الاستثمارات.
على مستوى التوزيع بين القطاعات فإننا نلاحظ أن النصيب الأكبر كان للصناعة و المحروقات حيث استحوذت على 49% من الاستثمارات في المخطط الثلاثي، 35 % في المخطط الرباعي الأول، 38% في الرباعي الثاني، 38.6 % في الخماسي الأول بينما نسجل الضعف النسبي للزراعة و الري من هذه الاستثمارات، حيث خصص لها 18 % خلال الفترة 1967 - 1973 و 15 % خلال فترة 1974 - 1977 بذلك يظهر نوع من التناقض من نموذج ديبرينس الذي يطرح تحديث الزراعة. إن الاستثمارات المخصصة للبنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية تتجاوز 17 % في المخطط الثلاثي، بالتقريب 30 % خلال المخططين الرباعيين بالرغم من ضرورة هذا للقطاع للاقتصاد الوطني في بداية التنمية. على كل يلاحظ أن المخطط الجزائري أعطى الأولوية المطلقة للصناعة و في مقدمتها المحروقات باعتباره المصدر الأساسي للتراكم و للصناعات الأساسية المتمثلة في الصناعات الميكانيكية و الكهربائية و التعدينية و الحديدية التي ينتظر منها أن تلعب دورا أساسيا في التكامل بين مختلف الفروع و الزراعة، خاصة أن المحروقات والصناعات الأساسية أخذت النسب التالية من مجموع الاستثمارات الصناعية في المخططات الثلاثة الأولى 82.4 %،78.9 % و 86.1 % على الترتيب، بينما الصناعات الخفيفة لم تنل أهمية من طرف المخطط إذ لم تتجاوز حصتها من إجمالي الاستثمارات الصناعية خلال الفترة 1967 - 1977 سوى 8.6 % وبذلك فإن التصنيع في الجزائر موجها في غالبيته نحو إنتاج السلع الإنتاجية و الوسيطة أكثر منه لإنتاج للسلع الاستهلاكية. [1]
بينما نلاحظ أن البنية التي جرى اختيارها في المخطط الخماسي الأول تكشف عن إعطاء أهمية للقطاعات المتأخرة نسبيا كالزراعة و السكن و المرافق الاجتماعية الأخرى و هذا تصحيحا في اعتقاد المسؤولين
(1) - وزارة التخطيط والتهيئة العمرانية، خلاصة الحصيلة الاقتصادية والاجتماعية للعشرية 1967 - 1978، ماي 1980، الجزائر، ص.50.