الصفحة 88 من 178

طويلة جرداء وكراسي موضوعة على جانبيها، وقد أطلقنا عليها إسم غرفة الخشب. وفي كل صباح يجلس المستجوبون وينشرون أمامهم لوازم (زبائنهم) ، وقد يفحصون أحيانا تحت زجاجة التكبير كافة حقائب الألبسة وحقائب الكتب والمحافظ وكتب الجيب والمراسلات وأقلام الحبر وأغلفة النظارات ومشارب الدخان وعلب السكاير والمفاتيح وكل شيء غريب يحمله اللاجئون.

ويدقق كل شيء بمنتهى الاعتناء، وعند الفراغ منه يوضع إلى جانب. وكانت الغرفة على العموم شبيهة بالكمرك أو المزاد، وقد كنت جالسا جانب ضابط الأمن البلجيكي وكان الصباح جميلا في أحد أيام شهر نيسان حيث الشمس المشرقة والأزهار المتفتحة وكان هو منهمكا في موضوع تمرمانس. وبينما كنت غارقة في التفكير أدرس لوازم صاحبي الاسباني العنيد التفت نحوي تلميذي وقال: ماذا تظن أن يكون هذا يا سيدي؟

وقد بدد ترکيزي هذا السؤال وأزعجني، فنظرت إليه وهو يفرغ محتويات محفظة قديمة سوداء وأخرج منها غلافا، وفتح الغلاف وأخرج منه مسحوق أبيض، فأجبته متضايقة: كيف أعرف هذا بحق السماء؟ إني لست مختبر فقال، ارسله إلى المختبر وأطلب تحليلا عاجلا.

ثم رجعت إلى عملي وأخذت أفحص لوازم الأسباني، إلا أني إنتبهت بعد لحظات إلى صوت كسول يسألني: هل يمكنني مقاطعتك ثانية با سيدي؟، فالتفت إلى تلميذي الشاب وكنت على وشك إعطائه محاضرة عن الشباب غير الكفوء الذي لا يتمكن من القيام بواجباته، ولكني رأيت ما كان في يده، وكان ذلك رزمة من عيدان الليمون شبيهة بما تستعمله الحسان الغرض تدوير مجالس أظافرهن .. صرخت عندها: يا الله ..

ماذا دهاك يا سيدي؟ قال. لا شيء، إستمر واخرج القطن. أجبته. القطن؟ فصاح باستغراب والنظرة التي طفرت على وجهه كشفت عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت