أدرك المصلحون في القرن التاسع عشر الفارق الكبير بين ما حصل في أوروبا من تقدم واكتشافات علمية، وبين الذي يرزح تحت وطأته المسلمون [1] [2] [3] ، فدعوا إلى الإصلاح الديني والإصلاح العملي؛ إذ أثمرت هذه الدعوات إنشاء المدارس، وتنظيم التعليم، وإنشاء المكتبات، فضلًا عن تشجيع الطباعة والنشر وتأسيس الصحف [4] .. كان مدار الإصلاح القرآن الكريم الذي في هداه صلاح الفساد"فالقرآن حسب ما رآه محمد عبده الدواء الشافي للمسلمين مما هم فيه ولكنهم لا يتناولونه، فأين اليد التي تقرب من هذا المريض دواءه وتناوله إياه لا جرم أنها لن تكون إلا يد التعليم الصحيح للإسلام والتفسير الحكيم للقرآن [5] "فأساس هذا الإصلاح ومنطلقه القرآن الكريم باعتباره صالحا لكل زمان ومكان، ولن يكون ذلك إلا ببيان ما نزل به من الحكم والمبادئ والأحكام، وتجليتها من خلال تفسير آياته، بعرضه بأسلوب عصري، وتجاوز الثغرات التي أصابت علم التفسير، إذ رأى بعض العلماء أن كسرًا أصاب هذا العلم ولا بد من إصلاحه [6] ، ومن هؤلاء الأعلام محمد عزة دروزة مؤلف التفسير الحديث، فمن هو محمد عزة دروزة؟ وما مكونات فكره ومنهجه؟ وما الثغرات التي نادى بتجاوزها؟ وما هي مرتكزات إصلاح علم التفسير في تفسيره الحديث؟ وما محور هذا الإصلاح؟.
المبحث الأول ـ دروزة وعصره:
لعل تتبع سيرة محمد عزة دروزة والتأريخ لعصره، يحتاج إلى بحث مستقل ولاسيّما أن هذا المؤلف قد خص نفسه بمذكرات طبعت في ستة مجلدات، نحو 4500 صفحة [7] عدا البحوث التي ترجمت لعصره وحياته [8] ، لذا لن يكون هدفي إعادة ما كتب وإنما سأركز على ما يمكن أن يبرز الأسباب التي أسهمت في تكوين فكره وتوجهه.
(3) 1 ـ تميز القرن الثالث عشر وأوائل القرن الرابع عشر هجري، القرن التاسع عشر والعشرين ميلادي، بتغيرات واهتزازات وتقلبات عصفت بالبلاد الإسلامية، فقد عمت فيها الاضطرابات والفتن والفوضى، وساءت الحالة الاقتصادية للأفراد والدولة، وتفشى الجهل والفقر والمرض، وتأصلت الأوهام والخرافات، فضلًا عن انحراف فهم الإسلام، وانغلاق باب الاجتهاد أمام المستجدات، بله خلو المعاهد العلمية عن مواكبة علوم العصر، أدى ذلك إلى الانفصام والتنافر بين الإيمان بعظمة وعزة الإسلام وبين الواقع المحسوس؛ بسبب أن تعاليم الإسلام ومبادئه كانت قد حملت مع ظلام عصور الجهالة وقرون الانحلال الكثير من البدع والتأويلات الفاسدة مما زادها تضاؤلًا وانكماشًا، فقصرت المعاني عن غاياتها وابتعدت مرامي الدين عن ميزان العلم والحكمة. هذه الظروف والأحوال التي يعيشها المواطن المسلم أصبحت تختلف اختلافًا بينًا عنها عند الإنسان الأوربي، وعن وضعه في العالم في القرون السابقة، كانت هذه الأوضاع في أواخر القرن الثالث عشر هجري مصدر آلام ملحة مضنية هزت العالم الإسلامي، فجعلت المواطن المسلم في حاضره غريبًا بنفسه عن نفسه؛"حيث يكون بحسه مع الأحداث مخالطًا لها، ويكون لبه وجوهر نفسه قد تخلفا عنها لأنهما لم يستطيعا لتلك الأحداث الثقيلة المنكرة خلطة ومراسًا فيكون في وقت واحد هو وليس هو"- محمد الفاضل ابن عاشور: التفسير ورجاله، دار الكتب الشرقية، تونس، ط 2، 1972 - ص 218 - 220 وانظر ص 212. وانظر: ـ علي المحافظة، الاتجاهات الفكرية عند العرب في عصر النهضة، الأهلية للنشر والتوزيع، بيروت، 1987،ص 9 وص 236. ـ أحمد أمين، زعماء الإصلاح في العصر التفسير الحديث، مصدر سابق، مكتبة النهضة المصرية، ط 4، 1979 م، ص 7 وص 8. وانظر: ـ عفت الشرقاوي، قضايا إنسانية في أعمال المفسرين، دار النهضة العربية، بيروت، 1978،ص 87 ـ 88 ص 95. ـ عبد المجيد عبد السلام المحتسب، اتجاهات التفسير في العصر الراهن، دار البيارق، عمان، الأردن ط 3،1402 هـ 1982 م، ص 6 وما بعدها وص 261.
(4) 2 ـ محمد الفاضل ابن عاشور: الحركة الأدبية والفكرية في تونس، الدار التونسية للنشر، تونس،1983 م، ص 57 - .ص 40 ـ ص 53 ـ ص 51 ـ ص 97. وانظر: ـ أليس الصبح بقريب، مصدر سابق، ص 101.
(5) 3 ـ التفسير ورجاله، مصدر سابق، ص 239 ـ 240.
(6) 4 - من هؤلاء العلماء محمد الطاهر ابن عاشور (1296 - 1393 ه = 1879 - 1973 م) ، وهو من المعاصرين لمحمد عزة دروزة، إذ يرى ابن عاشور في كتابه"أليس الصبح بقريب"أن تفسير القرآن في العصور السابقة، مرت عليه مدة أصبح فيها"تسجيلًا يقيد به فهم القرآن ويضيق به معناه الذي كان السلف يقولون فيه:"إنه لا تنقضي عجائبه ولا تنفذ معانيه"بأسباب جرّت إلى هذا التضييق"أليس الصبح بقريب، مصدر سابق، ص 186 .. ويبين موقفه تجاه كلام السابقين بقوله"رأيت الناس حول كلام الأقدمين أحدَ رَجُلين: رجل معتكف فيما شاده الأقدمون، وآخر آخذ بمعوله في هدم ما قضت عليه القرون، وفي كلتا الحالتين ضُرُُّ كثير، وهنالَك حالة أخرى ينجبر بها الجناح الكسير، وهي أن نعمِد إلى ما أشاده الأقدمون فنهذبَه ونزيدَه، وحاشا أن ننقضه أو نبيدَه، عالما بأن غمض فضلهم كُفران للنعمة، وجَحْدَ مزايا سَلفِها ليس من حَميد خصال الأمة"التحرير والتنوير، الدار التونسية / الدار الجماهيرية الليبية: ج 1/ 7.
(7) 5 ـ محمد عزة دروزة، مذكرات وتسجيلات محمد عزة دروزة 97 عامًا في الحياة، دار الغرب الإسلامي ـ بيروت،1993.
(8) 6 ـ انظر مثلًا: عادل حسين غنيم، محمد عزة دروزة وحركة النضال الفلسطيني، دار النهضة العربية.
ـ فريد مصطفى سليمان، محمد عزة دروزة وتفسير القرآن الكريم، مكتبة الرشد، الرياض، ط 1، 1414 هـ 1993 م.
ـ حسين عمر حمادة، محمد عزة دروزة، (نشأته ـ حياته ـ مؤلفاته) ، في سلسلة إحياء التراث الثقافي الفلسطيني، دار قتيبة، دمشق، 1983 م.