"والحقُّ الذي لا ينبغي العدولُ عنه أن لا يُعْدَلَ في تفسيرِها عن تفسيرِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وهو قولُه لَمَّا سَأَلَهُ جبريلُ عن الإحسانِ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» [1] . يعني: الذين كانوا أشدَّ مراقبةً لله في أعمالهم سيزيدُهم اللَّهُإيمانًا؛ لأن الإنسانَ كُلَّمَا ازدادَ تَقْوَاهُ لله (جل وعلا) زَادَهُ اللَّهُ، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى} [محمد: أية 17] معناه: وسنزيدُ المحسنين منكم، أي: الذين هم أشدُّ مراقبةً لِلَّهِ سنزيدهم من الخيرِ والإيمانِ. وقال بعضُ العلماءِ: سنزيدُ في جزاءِ أعمالِ المحسنين؛ لأن العملَ الذي يُرَاقِبُ صاحبُه اللَّهَ قد يكونُ ثوابُه أكثرَ ممن هو أقلُّ منه مُرَاقَبَةً" [2] .
مثال آخر هو ما ذكره الإمام عند تفسيره لقوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا ... } [التوبة: أية 31] فقد ذكر الإمام أن تفسير لفظة (أَرْبَابًا) قد بيَّنها النبي -صلى الله عليه وسلم- ووضح المراد بها، فاقتصر الإمام على تفسير النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يذكر قبل الحديث الشريف أية مفسرة للمعنى فقال:
"وَلَمَّا سألَ عَدِيُّ بنُ حاتمٍ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عن قولِه تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا} [التوبة: أية 31] كيف اتَّخَذُوهُمْ أربابًا؟ قال: أَلَمْ يحلوا لهم ما حَرَّمَ اللَّهُ؟ ويحرموا عليهم ما أَحَلَّ اللَّهُ فاتبعوهم؟ قال: بَلَى. قال: بذلك اتَّخَذُوهُمْ أَرْبَابًا" [3] . [4] ثم ذكر الإمام خمس آيات مؤيدة لهذا المعنى الوارد في الحديث فقال:
(1) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والاسلام والإحسان وعلم الساعة، 1/ 19، رقم الحديث 50.
(2) الشنقيطي، العذب النمير، 1/ 114 - 115.
(3) سنن الترمذي، أبوب تفسير القرآن، باب: ومن سورة التوبة، 5/ 278، رقم الحديث 3095. وقال عنه الترمذي:"هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ، وَغُطَيْفُ بْنُ أَعْيَنَ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ فِي الحَدِيثِ". وحسَّنه الألباني.
(4) الشنقيطي، العذب النمير، 2/ 77.