قال الآلوسي:"وأكثر كلامه قدس سره من هذا القبيل، بل هو أم وحدة الوجود وأبوها، وابنها وأخوها، وإياك أن تقول كما قال ذلك الأجلّ، حتى تصل بتوفيق الله تعالى إلى ما إليه وصل، والله عز وجل الهادي إلى سواء السبيل" [1] .
وأراني، بعد إنعام النظر وإطالة التأمل فيما كتب الآلوسي في تفسيره فيما يتعلق بهذه القضية العقدية الخطيرة، أميل إلى القطع بأنه لا مفر من حمل ما جاء في بعض كتبه مما قد يفهم منه أنه ربما يقبل القول بوحدة الوجود على أنَّ له فيها تأويلًا يخرجها من دائرة ما يتعارض مع العقيدة الإسلامية الصحيحة، وأرى أن ما مضى من عباراته يكاد ينطق بذلك، وإلا فدونك قوله في هذا المعنى، إذ يقول:"وللشيخ إبراهيم الكوراني قدس سره النوراني عدة رسائل في تحقيق الحق فيها وتشييد مبانيها، نسأل الله تعالى أن يمن علينا بصحيح الشهود، ويحفظنا بجوده عما علق بأذهان الملاحدة من وحدة الوجود" [2] .
(1) 58 روح المعاني 13/ 10، يرى بعض الباحثين أن ابن عربي ربما أخذ وحدة الوجود عن ابن رشد الذي ربما يكون له إسهام في هذه النظرية في صورتها المبدئية، فقد كان له"في مسألة اتحاد العقل الإنساني بالعقل الفعال رأي خاص انفرد به عن أرسطو وابن سينا ونحا فيه منحى المتصوفين"، ومن هنا فقد ذهبوا إلى أن ابن رشد، وإن"لم يكن من حملة وحدة الوجود المتطورة إلى الشكل الصوفي، فهو الذي وضع بذرتها وتعهدها الصوفية من بعده". انظر: ابن رشد: فيلسوف الشرق والغرب، في الذكرى المئوية الثامنة لوفاته، ص 443 - 444. ولكن من المعروف أن وحدة الوجود"هي فكرة هندية، ولا زال أثرها واضحًا في الآداب الهندية، قوامها أن كل شيء في الوجود متصل بوحدة ثابة جامعة، وأنه مهما تتباين الأشكال والأوصاف والمظاهر، فالكل واحد، وما الحيوان والجماد والنبات إلا مظاهر لشيء واحد يتلاقى في الحقيقة ويتفق في الجوهر، وإن اختلف في الشكل والمظهر". انظر: ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه، للإمام محمد أبو زهرة.
(2) 59 روح المعاني 13/ 9، وفي المنار:"... فمن أصول الضلالة التي دخلت على المسلمين من باب التصوف المقابلة بين الحقيقة والشريعة، ... ومنها أصل الأصول عند غلاتهم، وهو ما يعبرون عنه بوحدة الوجود بالمعنى الذي يمثله الكتاب المسمى بـ (الإنسان الكامل) وأمثاله، وهذا الأصل مخالف لنصوص القرآن الصريحة، ولنصوص السنة الصحيحة، وفيه مفاسد كثيرة جدًا، ولكن من الناس من يفهم وحدة الوجود على غير هذا الوجه. انظر: المنار 19/ 52 - 53. أقول: وأكثر متصوفة القطر السوري يفهمون وحدة الوجود على غير الوجه المذكور، ويحبون أن يسموها وحدة الشهود، ومنهم المرحوم الشيخ ملا رمضان البوطي الذي كان يؤكد أن وحدة الوجود بمعناها الفلسفي"باطل من القول والاعتقاد، ويجزم بكفر معتقدها، وأما وحدة الشهود، وهي شهود صفات الخالق في مكوناته ومخلوقاته، فقد كان يؤكد بأنها من أهم نتائج الإيمان وثمراته". انظر: هذا والدي، القصة الكاملة لحياة الشيخ ملا رمضان البوطي، للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي. ص 112، ومن المعقول جدًا أن يكون الآلوسي من أصحاب هذا التأويل كما يظهر من كلامه."