(ولقد أمر الله - سبحانه - النبيين وأتباعهم المؤمنين بالاستماع للوحي عند تلاوته ونهاهم عن الانشغال عن الاستماع لما يوحي بأي شيء ولو بتلاوة الوحى نفسه، قال تعالى لموسى عليه السلام: {وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى} (13) سورة طه، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قرأ عليه جبريل القرآن القرآن تعجل بالقراءة خلفه خشية النسيان، فقال الله: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} (16 - 19) سورة القيامة.
وقال للمؤمنين: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} ، لأنه بالاستماع يحصل الفهم المؤدي للعمل.
ومن أدب الاستماع:
1 -سكون الجوارح. ... 2 - وغض البصر. ... 3 - والإصغاء بالسمع. ... 4 - وحضور القلب. ... 5 - والعزم على العمل.
فذلك هو الاستماع الذي يحبه الله تعالى، وهو أن يكف العبد جوارحه ولا يشغلها فيشتغل قلبه عما يسمع، ويغض طرفه فلا يلهو قلبه بما يرى، ويحضر عقله فلا يحدث نفسه بشيء سوى ما يستمع إليه، ويعزم على أن يفهم فيعمل بما فهم.
قال سفيان بن عيينة: أول العلم الاستماع، ثم الفهم، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم النشر [1] .
فإذا استمع العبد إلى كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - بنية صادقة كما يحب الله أفهمه الله كما يحب، وجعل له في قلبه نورًا، وكان من أهل البشارة التي أمر الله نبيه أن يبشر بها: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} (18) سورة الزمر، وهكذا شهد الله لمن يحسن الاستماع إلى كتابه بالهداية والعقل، وذم الذين يسيئون
(1) رواه الدارمي (1/ 107) بلفظ (يراد للعلم الحفظ والعمل والاستماع والإنصات والنشر) .طبعة دار الريان.