فإن الأمر بالاستماع والإنصات عند قراءته في الصلاة وخارج الصلاة أمر صريح، وقد جعله الله مناط الرحمة؛ ليُعلم أن اللغو عند قراءته والتصدية والمكاء، والجَلَبة والضوضاء من موانع الرحمة، ونعوذ بالله ممن يضل سعيه، فيحول بعمله بين نفسه ورحمة ربه.
فأين نحن الآن من أسلافنا؟ وهم القدوة في الهدى، وقد اتخذنا القرآن أغاني فالقارئ يفنن في النغم والتلحين، ويخرج به عن سنن الترتيل وقواعد التجويد، ويعيد الآية عند استحسان السامعين للنغمة وطلبهم الإعادة، والسامع يستخفُّه الطرب، لا من معاني القرآن، بل من حسن التوقيع وموسيقى الشيطان، وأفانين الألحان؛ فيصيح في نهاية الآيات بكلمات الاستحسان، والثناء على القارئ والدعاء له، وطلب الإعادة منه، وغير ذلك مما يستحي المؤمن الوقور من ذكره، وكثيرًا ما يكون ذلك في بيوت الله التي شرفها الله تعالى بإضافتها إليه، وجعل لها حُرمةً، وللدخول فيها والمكث بها آدابًا وسننًا.
وكيف نرجو الثواب، ونقصد التعبدَّ بالقراءة والسماع؟ والأمر على ما وصفنا: من حركات طائشة، وكلمات مرذولة، وصياح وضوضاء، واستحسان للنغمات، وإغراء بالمزيد منها، وطلب الإعادة للآية لحسن التوقيع، وانتهاكٍ لحرمة المساجد، وتجاوز في القراءة للحدود المرسومة المروية عن القدوة وأئمة الهدى؟!.
وأين الخشية من الله، والخوف عند تلاوة آية العذاب الذي تنخلع من هوله القلوب؟ والرهبة من آية الوعيد الذي يشق المرائر؟ وأين الخشوع والتفكر؟ وأين التوبة والاستغفار من الذنوب عند الذكر؟ [1] .
قال الشيخ عبدالعظيم بن بدوي - حفظه الله: [2]
(1) القرآن آداب تلاوته وسماعه لـ (حسنين محمد مخلوف) ص (24 - 26) مطبعة لجنة البيان العربي الطبعة الأولى 1958 م.
(2) مجلة التوحيد ص (12 - 13) عدد ربيع الآخر 1417 هـ السنة (25) .