فهرس الكتاب

الصفحة 520 من 853

جدا. وهنالك تفسيران جديران بالاهتمام للسبب الذي من أجله لا تحارب الديمقراطيات بعضها بعضا، وهما كالآتي:

الأول، يتعلق بالمعايير؛ فالديمقراطيات تعمل داخليا ضمن مبدا أنه يجب على الصراعات أن تحل بطريقة سلمية من خلال المفاوضات والتنازلات، من دون اللجوء إلى التهديد باستخدام العنف المنظم أو استخدامه فعلا. وتدرك الشعوب الديمقراطية وزعماؤها أن الديمقراطيات الأخرى تعمل وفقا للمبادئ نفسها في شؤونها الداخلية، لذلك فإنهم يضيفون إليها مبدا حل الصراعات سلميا. إن المفاوضات والتسويات بين الدول الديمقراطية متوقعة، لكن التهديد باستخدام العنف أمر غير ضروري وغير شرعي. في المقابل، يتوقع من الدول الدكتاتورية أن تعمل وفقا لمبادئ هوبزية (نسبة إلى الفيلسوف توماس هوبز) فتهدد، وتستغل الإرادة الضعيفة للطرف الآخر، وتستخدم القوة، وبناء عليه، فإن الدكتاتوريات في علاقاتها مع الدكتاتوريات الأخرى، أو مع الديمقراطيات، لن تكون خاضعة للقيود عينها.

أما التفسير الآخر فيتعلق بالمؤسسات؛ فالزعماء الديمقراطيون الذين يدخلون في حرب مساءلون ومحاسبون، من خلال المؤسسات الديمقراطية، عن تكاليف الحرب ومكاسبها، وغالبا ما تفوق التكاليف الفوائد، ويتحمل عامة الناس معظم هذه التكاليف. ويخاطر الزعماء الديمقراطيون الذين يشعلون حروبا بان لا يعاد انتخابهم للرئاسة مجددا، خصوصا إذا ما خسروا الحرب أو كانت الحرب طويلة أو مكلفة، وفي تحسبهم لهذا الحكم السياسي، سيكون الزعماء الديمقراطيون مترددين في الدخول في حروب، ولا سيما تلك الحروب التي ترجح فيها خسارتهم، وعند مواجهتهم دولة ديمقراطية أخرى، ستكون الزعامة في الدولتين على حد سواء مقيدة. غير أن الدكتاتوريين قادرون أكثر على قمع المعارضة والبقاء في السلطة بعد انتهاء الحرب، ويمكنهم من خلال القمع أن يحتفظوا بقدر أكبر من الفوائد وأن يفرضوا مقدارا من التكاليف على شعوبهم أكبر من ذلك الذي يستطيع الزعماء الديمقراطيون فرضه على شعوبهم. لذلك فقد يكون القادة الدكتاتوريون أقل ترددا في محاربة أي طرف آخر، سواء أكانت دولة ديمقراطية أم دولة دكتاتورية أخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت