ويصدق الشيء نفسه على اللغة العربية قبل القرن التاسع عشر، وكانت أيضا لغة التواصل في الشريعة والإسلام. وعلى حد علمي، فإن الشيء نفسه يصدق أيضا على كل اللغات الإسلامية الرئيسية قبل العصر الحديث: إذ لم يكن ثمة مرادف دقيق لكلمة أخلاق ولم تكن تحمل أيا من المعاني الحاقة التي نقرنها بها اليوم في الفلسفة الأخلاقية والقانونية. ويلح كثيرون في هذه الأيام على أن كلمة أخلاق (كما يستخدمها باحث في الأخلاق مثل مسکويه و من هم على شاكلته، وكما تستخدم في المصنفات شبه الفقهية) (59) ترادف ما نقصده اليوم بكلمة"tmoral. بيد أن من الممكن دحض هذا الزعم على أسس تاريخية وفلسفية - لغوية على السواء (60) . فكما لاحظ ماکنتاير في ما يخص سياق ما بعد التنوير، فإن العملية ذاتها المتمثلة بإسقاط الحاضر على الماضي واستعادة الماضى محدثا في الحاضر قد حدثت في الإسلام أيضا. فقد أثر الأخلاقي على المستودع اللغوي (وليس المفهومي) للإسلام الوسيط، وجلب منه كلمة أخلاق كمكافئ إن لم يكن كمرادفي للكلمة 61)"
(59) وهي ما أطلق عليه اسم مکارم الأخلاق، نظرا إلى عدم وجود وصي أفضل. انظر، على سبيل المثال: أبو علي الفضل بن الحسن العطبرسي، مكارم الأخلاق (بيروت: مؤسسة الخراسان للمطبوعات، 2006) عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا، مكارم الأخلاق، حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه بشير محمد عيون (دمشق: مكتبة دار البيان، 2002) ، وعبد الحي الحسني، تهذيب الأخلاق، تحقيق عبد الماجد الجوري (دمشق: دار الفارابي، 2002)
(60) لخلفية عن ذلك، انظر:: David Bk
(61) ارتبط مفهوم الأخلاق قبل الحديث لفظيا بصفات فطرية مرتبطة بالطبع والسجية أكثر من الأخلاقي، خاصة عندما اكتسبت هذه الأخيرة معاني حديثة. انظر: أبو الفضل محمد بن مکرم بن منظور، لسان العرب، تحقيق عامر أحمد حيدر وعبد المنعم إبراهيم، 15 ج (بيروت: دار الكتب العلمية، 2009) ، ج 10، ص 104، 105، بيد أن الأخلاق في المنظور الإسلامي قبل الحديث تعرضت للتأثير الثقافي والتهذيب، انظر المصادر المذكورة في الهامش و 5 أبو علي احمد بن محمد ابن مسکويه، تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، تحقيق تواف الجراح (بيروت: دار صادر 2005) ، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، إحياء علوم الدين، 5 مج (طر ايئس: دار الوعي، 2004) ، والجزء الثاني من الفصل الخامس من هذا الكتاب. غير أن هذه العمليات التي صقلت الأخلاق وهذبتها تدور تحديدا حول غياب التمييز بين الشريعة والأخلاق، حيث تغرس فيهما مكونا أخلاقيا، أويمكن إضافة عقيديا قويا يفتقد إليه الفهم الحديث للأخلاق. ولتوضيح المقابل الموضوعي واللفظي بين مفهوم الأخلاق قبل الحديث والحديث، قارن تهذيب الأخلاق تلحسني(ت. 341
1/ 1922)مع روح الحداثة لفيلسوف الأخلاق المسلم المعاصر والمتمير طه عبد الرحمن، خصوصا كتابه سؤال الأخلاق