الصفحة 284 من 346

الدولة التي تهدف إلى ديمومتها وسيادتها وخدمة مصالحها هي نفسها، كما رأينا وكما سنرى في الفصول المقبلة. وفي المقابل، لم تخدم الشريعة الحاكم أو أي شكل من السلطة السياسية لأنها لم تصمم لهذا الغرض. لقد خدمت الشعب، الجماهير، الفقراء، المستضعفين وعابري السبيل دون أن تلحق الضرر بالتاجر ومن هم على شاكلته 149). وبهذا المعنى لم تكن غاية في الديمقراطية فحسب، بل كانت إنسانية بطرق غير معهودة في الدولة الحديثة وقانونها. وإذا ما كان الاختبار هو أما الذي يجب أن يشكل حقوقا ثابتة لا تخضع لسلطة أي حكومة»، على حد تعبير روبرت دال (178) (Roben Dahl) فإن الشريعة قد نجحت في هذا الاختبار، وغلبت حكم القانون على حكم الدولة على هذا الأساس، نستطيع الآن أيضا أن نرى في صيغة (حكم القانون، نوعا من تشابه اللفظ واختلاف المعني. ففي السباق الإسلامي تكتسب الصيغة مفهوما غليظا لما يعنيه احكم القانون»، بينما يكون المفهوم في السياق الأوروبي - الأميركي - وهو موضع الدولة الحديثة النموذجية - ارفيقاه، بل ومثقلا بمشکلات أخرى أيضا.

ربما نستطيع القول إن بني الشريعة النموذجية تكفل ما سماه جون رولز، في سياق آخر، مجتمعا جيد التنظيم»، وهو مجتمع اعتقد أن من الممكن تصوره لكنه، شأن الأشياء التي تقف قبالة الحاضر، أضفي عليه طابع مثالي مفرط»، بيد أنه لم يعرف أن جميع تفاصيل ما وصفه بالمجتمع جيد التنظيم توافرت، بعد إجراء كل التغييرات المطلوبة، في الحكم الإسلامي النموذجي، بل إنها أعتبرت شيئا مسلما به

يشير القول إن مجتمعا ما جيد التنظيم، إلى ثلاثة أشياء: الأول (وهو متضمن في فكرة تصور العدالة المعترف به على نطاق عام) ، أنه مجتمع يقبل كل فرد فيه مبادئ العدالة نفسها، ويعرف أن كل شخص آخر يقبلها أيضا. ثانيا (وهذا متضمن في فكرة التنظيم الكفء لهذا التصور) أن يكون معروفا بصورة عامة أن بنيته

(169) حول هذه النقطة، انظر الجزء الثاني من الفصل السادس من هذا الكتاب (170) التشديد لي، انظر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت