إلى مجرد مؤامرأتي من مؤسسات الدولة القديمة، المتجذرة والفاسدة في الوقت نفسه، أو إلى قوى داخلية طغى مقتها للتيارات الإسلامية على حرصها على مصلحة الدولة، أو أخرى خارجية أعتقدت بأن وصول التيار الإسلامي إلى الحكم في مصر يهدد دورها الإقليمي أو أمنها القومي. فمع التسليم بوجود تلك المؤامرات والدور الذي أدته في إفشال التجربة (وهو لا يعني بالضرورة أن النجاح كان قدرها لولا ذلك، لا يمكن للتيار الإسلامي إلا أن يعترف بالفشل، أولا في فهم طبيعة الدولة الحديثة، ومدى ملائمة أفكاره لها، وقدرته على تطويعها دون إعطائها الفرصة لاستدراجه تماما إلى ما سعا دائما إلى مواجهته والقضاء عليه. لا ينبغي أن تكون علمية المراجعة الحتمية تلك أقل من شاملة، ومبدعة، ومتحررة من نظرة إلى التاريخ مغرقة في الطوباوية، أو إلى الدولة الحديثة كنموذج وحيد.
غير أنني أرى في ترجمة هذا الكتاب مساهمة أتمنى أن يكون لها صداها في مواجهة بعض الآفات التي ابتلي بها الفكر العربي في تعامله مع التراث والحداثة على حد سواء. وتزداد أهمية الكتاب لصدوره في وقت تبدو فيه بعض الشعوب العربية والإسلامية ساعية لتحديد أسس مرجعيتها وملامح هويتها، تحسبا لاغتنام الفرصة التاريخية السانحة. وربما تكون التيارات الإسلامية، مهما كانت درجة إخلاصها بصفة عامة، أحق من غيرها باللوم في هذا السياق. وأقصد هنا أساشا غياب الروح النقدية، وما يلحق بذلك من تقليد سطحي وتكاسل عن البحث الموضوعي المتأني في الجذور التاريخية والأسس القيمية للتوجهات المختلفة (في ما يخص الدولة الحديثة وما يسمي الإسلام السياسي على سبيل المثال) . وما ينتج عن كل ذلك من آفات أخرى، وتحديدا في التعاطي مع الحداثة والحضارة المعاصرة، مثل الانهزامية والانتقاص من الذات وعدم القدرة على تصور فهم آخر للتقدم. فكل هذه أمور لا يعترف بها صراحة بطبيعة الحال (مع وجود استثناءات بسيطة ممن يجهرون بتبرؤهم من الثقافة التي نشأوا فيها أو يدعون صراحة إلى اعتناق الحداثة بكل ما فيها) ، وإن كانت تتجلي بسهولة في تحليل أكثر الأدبيات العربية على اختلاف توجهاتها، بما في ذلك أدبيات كثير من الإسلاميين»؛ في «التقدم، كما يشرح المؤلف، هو ما تعرضه الحضارة الحديثة على أنه تقدم،