الصفحة 150 من 346

جوهرها (56) . ويتفق فيبر وكل المنظرين الآخرين تقريبا على أن البيروقراطية جوهرية أو أساسية. فقد دل تاريخ القرنين المنصرمين بجلاء وبصورة منتظمة على أن الثورات و تغييرات الأنظمة قد نجحت في تغيير سمات مهمة للحكم، بل وللبنى الاجتماعية، لكن البيروقراطية لم تكن قط واحدة من تلك السمات. بل إن البيروقراطية والإدارة لم تصبحا مكونين نموذجيين دائمين في الدولة فحسب، بل تواصلان النمو المطرد في كل من تعقيدهما وشمولهما، وتطرحان، كما سنرى في الفصل القادم، أسئلة دستورية عميقة في أي دولة حديثة. وهناك اتفاق كبير مماثل بين الباحثين والمنظرين حول النمو المطرد لبيروقراطية الدولة، والقول إن البيروقراطية كانت غير قابلة للتدمير، وستظل كذلك. في المستقبل المنظور على الأقل - هو من البدايات الغنية عن البيان (57) .

لا حاجة لزيادة التأكيد أن البني البيروقراطية متنوعة ومتعددة الوجوه، حتي ضمن دولة واحدة أو إقليم واحد. وهي، بحكم نطاق سلطاتها، تميل إلى التنافس، وتعتبر إدارات الدولة المختصة بالعمل والهجرة مثالا على ذلك الأسباب واضحة، ويصدق ذلك على المجالات البيروقراطية التعليمية والعسكرية. وتتجلى التنافسية بين هذه الإدارات في إطار ما يسمى بالفصل بين السلطات، حيث تميل البيروقراطيات التشريعية والقضائية والتنفيذية، بحكم مبرر وجودها نفسه، إلى الدفاع عن مجالاتها المخصوصة, غير أنها على الرغم من تمايزها، تبقى مترابطة معا في الوقت نفسه في إطار بنية نموذجية متحكمة، غالبا ما يطلق عليها اسم المركزية، على سبيل التلطف بالتعبير، فكل الأقسام البيروقراطية، حتى على أدنى المستويات، تشرف عليها وتتحكم بها وحدات إدارية مودة أعلى، وهذه تميل بدورها إلى أن تراکم تحت سلطتها تقسيمات بيروقراطية متعددة لها سمة التنافس نفسها إن لم تكن سمة الدفاع عن رقعتها. بعبارة أخرى، كلما اتسعت البيروقراطية، تزايد خضوعها لقواعد تنظيمية موحدة) 58، منتج بذلك بنية إدارية تراتبية. وإذا كانت المركزية تعني أي ش يء (وهي بالطبع لا تعني مركزا لأطراف متساوية

نموذجية متعين تمايزها، تبقى الدفاع عن مبايع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت