الصفحة 782 من 810

يختلف الإطار الأخلاقي هذه التدخلات بوضوح عن مثيله في التدخلات الاستعمارية، فالقوى الاستعمارية لم تتظاهر بأنها تحتل دولا أجنبية لمصلحة سكانها الأصليين، رغم محاولتها تبرير سلوكها لنفسها من حيث رسالتها الحضارية. ولم تتبع الحكومات الاستعمارية صراحة أهدافا تطويرية حتى العقد الأخير قبل رحيلها تقريبا، بل كانت في الواقع تتحاشى التصنيع في مستعمراتها لأن صناعييها المحليين لم يرغبوا بأي نوع من المنافسة. كذلك لم تكن القوى الاستعمارية مهتمة كثيرة بالديمقراطية، كونها بررت حكمها على أسس غير ديمقراطية أصلا.

تغير هذا الإطار في سياق القرن الحادي والعشرين، بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، منحت عصبة الأمم (سلف الأمم المتحدة) الدول الاستعمارية مثل بريطانيا وفرنسا تفويضأ بحكم بعض الأقاليم، لكنها طالبت بوجوب حكمها المصلحة سكانها، تغير الإطار القانوني الدولي ثانية بعد الحرب العالمية الثانية، مع إصدار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان و ازدياد وزن المستعمرات السابقة والمستقلة حديثة في المنتديات الدولية، مثل الجمعية العامة للأمم المتحدة، الحرب الباردة والفيتو السوفييتي في مجلس الأمن منعا إجازة كثير من مهام حفظ السلام في العالم، لكن الباب انفتح على مصراعيه بعد نهاية الحرب الباردة، وأصبحت إدارة حفظ السلام في سكرتارية منظمة الأمم المتحدة مكانة مشغولا جدا. بحلول أواخر التسعينيات، وفي أعقاب المجازر المرتكبة في أماكن مثل البوسنة ورواندا، ظهر مبدا جديد اسمه

مسؤولية الحماية ("responsibility to protect") ، يلزم المجتمع الدولي باتخاذ خطوات إيجابية لضمان حقوق الإنسان بين الشعوب المهددة بالقمع والنزاعات).

تطورت أهداف هذه التدخلات الجديدة في مرحلة ما بعد النزاع بسرعة، بعد أن اقتصرت في البداية على محاولات التشجيع على وقف إطلاق النار وحفظ السلام في مناطق الصراع. إذ ما لبث أن تبين بوضوح أستحالة قيام سلام دائم بدون وجود مؤسسات، وأن قدرة المجتمع الدولي على الخروج من هذه المناطق المضطربة يعتمد في الحقيقة على قيام حكومات مستقرة وقادرة على توفير الأمن المجتمعاتها دون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت