الصفحة 774 من 810

إلى حياة المستعمرات طوعا، منجذيين بتركينهم النفسية المريضة وهوسهم بكل ما هو شاذ وغريبه. و قال مدير الكلية الاستعمارية، عام 1929: «حين يغادر شاب إلى المستعمرات، كان أصدقاؤه يسألون أنفسهم ما الجرم الذي لا بد أنه ارتكبه؟ من أي جثة هرب؟ يبدو أن الشخصية المريضة نفسيا للسيد كبرتس، في رواية جوزف کونراد في قلب الظلمة، أنبتت في النهاية على شيء من الواقع. بدأ كل ذلك يتغير في ثلاثينيات القرن العشرين مع تحسن تعليم الموظفين الفرنسيين وازدياد تخصصينهم وحرفينهم، بينما شجعنهم الظروف الصحية الأفضل على اصطحاب أسرهم في دورات خدمة المستعمرات التي يؤدونها. لكن هذا بدوره خلق مشكلة جديدة مألوفة في وكالات التنمية المعاصرة، إذ تحتم عليهم قضاء جل وقتهم مع زوجاتهم وأبنائهم في مجتمعات المغتربين، بدل قضائها مع المجتمعات المحلية (54) . >

وجد الفرنسيون في نهاية المطاف أن سياستهم في الدمج والتمثل غير قابلة للتطبيق. بدأ المسؤولون من خريجي الكلية الاستعمارية ذوي الخبرة الميدانية يجادلون في ضرورة تبني سياسة اجتماعية أكثر مرونة، يساعدون فيها المجتمعات على «التطور وفق بناها الخاصة. وبحلول منتصف القرن العشرين، كانت كل الأعراف الأوربية تتغير: كان ثمة تقدير أكبر لصدقية وصواية الثقافات التقليدية، وإدراك بأن محاولة فرض المؤسسات الأجنبية بالقوة الغاشمة يترك آثار ضارة على المجتمعات الأصلية. أصبح علم الأناسة، وهو فرع معرفي بدا أداة للاستعمار الأوربي، صوتا قويا يحاجج بضرورة الاعتراف بالكرامة المساوية للثقافات الأصلية (27) . بكلمات أحد الجيزويتيين [اليسوعينا الفرنسيين: «تنتمي العادات والأعراف إلى المجتمع نفسه، وحجب حق تأويلها وتحويلها عن المجتمع فعل عنفي اكثر خطورة، وإن يكن أقل وضوحا، من مصادرة الأراضي الزراعية أو الغابات (1) . في كل الأحوال، ومثل القوى الاستعمارية الأخرى، فشل الوجود الفرنسي الضعيف على الأرض في زرع مؤسسات قوية على الطريقة الفرنسية في أي من المستعمرات. وهكذا كان الحكم المباشر في نهاية المطاف فشلا موازية للحكم غير المباشر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت