الصفحة 578 من 810

في أواخر القرن التاسع عشر، حين تشكلت الامبراطوريات الاستعمارية الكبرى في آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط، دمجت الفكرة القائلة بوجود فوارق متأصلة وفطرية بين الأوربيين والجنوبيين الملونين في البيولوجيا. برر الأوربيون فتوحاتهم لمعظم بقاع العالم بذريعة مبدأ دارويني اجتماعي أكد تفوقهم العرقي الفطري، واعتبرت الشعوب المستعمرة غير صالحة للديمقراطية أو الحكم الذاتي لأن مرتبتها متدنية على سلم الارتقاء وتحتاج إلى قرون من الوصاية والإرشاد قبل أن تصبح مستعدة لتشغيل المؤسسات الحديثة من دون مساعدة خارجية. بينما أنتج النازيون بواسطة مبدأ تفوق العرق الآري النسخة الأشد تطرفا وبشاعة من هذا الموضوع، واستخدمتها المانيا لتبرير غزوها لبولندا وروسيا وغيرهما من البلدان المجاورة، ظهرت ردة فعل يمكن تفهمها ضد هذا النوع من الحتمية البيولوجية في الحقبة اللاحقة على الحرب العالمية الثانية، وانتشر اعتقاد مضاد بالمساواة الفطرية الأصيلة بين الأفراد والمجتمعات البشرية (1) . >

لم ينسب مونتيسكيور قط الفوارق في السلوك بين الشمال والجنوب إلى البيولوجيا البشرية، بل اعتقد على ما يبدو أن البشر يتشابهون جوهرية في شتى أرجاء العالم. أما الاختلاف فيكمن في ظروف المناخ والجغرافيا التي أنتجت، حين أثرت في بيولوجيا الأفراد الذين يتعذر التمييز بينهم لولاها، فوارق منهجية في السلوك السياسي. لم نکن العبودية برأيه طبيعية بل يجب تفسيرها بقدرة بعض المجتمعات المعينة على التنظم والاستعداد بشكل أفضل للحرب والفتح والإخضاع. أما الحرية السياسية التي تمتع بها الأوربيون الشاليون فلم تكن نتاج أي خصال طبيعية فطرية أو حتى سيات ثقافية أصيلة. فهم مثل غيرهم يرغبون في فتح بلاد بعضهم بعضا، وكانوا في الحقيقة متفوقين في ذلك. نتجت الحرية الأوروبية في نظر مونتيسكيو عن حقيقة أن الجغرافيا الطبيعية أبقت الدول الأوروبية مقسمة إلى عدد متوازن نسبية من الكيانات السياسية المتنافسة، ولم يتمكن أحذها من قهر الأخرى كلها. بالمقابل، تم تواجه الامبراطوريات الآسيوية الكبرى، مثل الصينية والفارسية والتركية، صعوبة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت