الصفحة 412 من 810

في الحقبة الممتدة بين ثمانينيات القرن التاسع عشر وعشرينيات القرن الحق، فككت الولايات المتحدة تدريجيا النظام الزبائني للحكومة الحزبية ووضعت الركائز التاسيسية لبيروقراطية مهنية ومحترفة ضاهت تلك التي كانت تشتغل في أوربا على مدى أجيال عديدة، لا ريب في أن حقيقة وجود نظام زبائني في الولايات المتحدة أصلا ارتبطت بواقع أنها سبقت معظم البلدان الأوربية إلى الديمقراطية، ولم تكن قد أنشأت دولة قوية مستقلة عندما فتح حق الاقتراع للمرة الأولى. انبثق في نهاية المطاف ائتلاف داعم لوجود بيروقراطية مستقلة ذاتيا، لكن وجب وضعه تحت قيادة قوية على مدى حقبة طويلة من الزمن، على المستوى الوطني ومستوى المدن والولايات الخاضعة لسياسة الماكينات الحزبية.

تطلبت عملية إصلاح القطاع العام وقتا أطول في أميركا مقارنة ببريطانيا جراء الفوارق على مستوى المؤسسات والمجتمع الأوسع. إذ يسمح نظام ويستمنستر في بريطانيا بالسرعة في عملية صنع القرار بغض النظر عن الحزب الذي يملك الأغلبية في البرلمان، بالمقابل، تنقسم السلطة في الولايات المتحدة بين الرئيس والكونغرس؛ ويضم الكونغرس نفسه مجلس أقوى سلطة، ويمكن لمجلسيه أن يخضع لحزبين مختلفين. أما النظام الاتحادي الذي يوزع السلطة إلى الولايات والحكومات المحلية فيعني في دلالته أن الإصلاحات المتخذة على المستوى الوطني لا تنتشر بالضرورة في شتى أنحاء البلاد، إذ بدأت بعض الولايات إصلاح أنظمتها المحسوبية المرتكز قبل الحكومة الاتحادية؛ بينها تلكات أخرى وتخلفت عن الركب. أخيرة، تباينت الدولتان تباينة كبيرة على الصعيد الاجتماعي، في بريطانيا، تمكنت الطبقة الوسطى الناهضة من الوصول في وقت مبكر إلى المؤسسات التعليمية النخبوية مثل أكسفورد وكيمبردج، وفاوضت على الإصلاح في نوادي لندن والغرف الخلفية وراء الكواليس. في أميركا، ثمة نخبة مشابهة تضم خريجي هارفارد ويل قادت حركة إصلاح الخدمة المدنية، لكنها لم تهيمن إلا في الشمال الشرقي واضطرت إلى البحث عن حلفاء خارج طبقتها الاجتماعية في بلد شاسع جغرافيا وشديد التنوع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت