الصفحة 236 من 810

تشكل المحسوبية والزيانية انحرافات معيارية مهمة عن الممارسة الديمقراطية السليمة للأسباب الموضحة آنفا كلها، ولذلك فإن جميع الديمقراطيات المعاصرة تحظرهما وتنتقدهما، وكثيرا ما تعتبران بهذه الصفة شكلا آخر من أشكال الفساد السياسي. لكن هناك عددا من الأسباب التي تدعو إلى اعتبار الزبائنية صيغة مبكرة من المحاسبة الديمقراطية وتمييزها عن الأنواع الأخرى من الفساد - أو في الحقيقة عدم اعتبارها شكلا من الفساد على الإطلاق. يكمن السبب الأول في أنها تستند إلى علاقة تبادلية وتوجد درجة من المحاسبة الديمقراطية بين السياسي وأولئك الذين يصوتون له، وحتى إذا كان المكسب المقدم فردية لا برامجية، يظل السياسي بحاجة إلى التنازل عن شيء مقابل التايد، والعميل حر في التصويت لشخص آخر إذا لم يكن المكسب وشيكة ومضمونة. فضلا عن ذلك، صممت الزبائنية لتوليد مشاركة سياسية جماهيرية في أوقات الانتخابات، وهذا أمر نعده مرغوب 79). >

في هذا السياق، تختلف الزبائنية اختلافا كبيرة عن الشكل الأكثر نقاء من الفساد حيث ينهب المسؤول من الخزينة العامة ويرسل المال المنهوب إلى حساب في مصرف سويسري لا يستفيد منه إلا هو وعائلته فحسب، يسمى هذا النوع من الفساد أحيانا، وفقا لفيبر، اختلاس الوقف (prebendalism) وهو تعبير مستمد من العصر الإقطاعي حين كان السيد يمنح قطعة أرض إلى الفلاح المستأجر) الذي يستطيع استغلالها لمصلحته (50) . صحيح أن الزبائنية منتشرة في إفريقيا جنوب الصحراء، لكن المنطقة تعاني مرضا أشد خطرا يتمثل في انتشار ممارسة اختلاس الوقف التي حرمت المواطنين من السيطرة على مسؤوليهم المنتخبين، حسبما يؤكد نيکولاس فان دي فاليه الباحث المختص في العلوم السياسية. ونتيجة الحروب المتلاحقة في أفغانستان مع السوفييت ثم حلف «النينوا، بدأت العلاقات القبلية التقليدية المستندة إلى المحسوبية والزبائنية تتداعي ليحل محلها شكل أكثر ضراوة من اختلاس الوقف حيث يستولي حكام الولايات أو الوزراء الأفراد على أموال طائلة من دون تقديم أي خدمات بالمقابل. لقد سهلت العملية حقيقة أن كثيرا من هذه الموارد تأتي من المعونات الخارجية وأدت إلى تقويض شرعية الحكومة المركزية وتهديمها، في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت