تعطيلًا لحُكم الله الموجب الحكم بين الجميع وَفْق الشرع، كما قال - تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: 49] .
ولقد كان لرأي الإمام أبي حنيفة - رحمه الله - في عدم سريان الشريعة على المستأمن أثرٌ سيئ على البلد الإسلامية؛ لأن رأيه اتُّخِذ أساسًا وسندًا في منح الامتيازات الأجنبية والمحاكمة الأجنبية للمستأمنين؛ (عودة، ج 1، بدون تاريخ: 285) ، في أواخر عهد الدولة العثمانية، مما أدَّى إلى إضاعة استقلال المسلمين، وتسلُّط الدول الأجنبية عليهم فيما بعد.
ولذلك أكَّد البحثُ على تطبيق الدولة أحكام الإسلام على كل مَن يقيم تحت سلطانها، وبذلك نتَّفق في رأينا مع نظرية أبي يوسف وسائر الفقهاء غير الأحناف في ذلك، بالنسبة لما يقع داخل الدولة، أما بشأن سريان الأحكام خارجها على الأقاليم التابعة لدول الكفر، فإن الذي نختاره هو أن الأحكام تسري على مَن يحمل تابعية الدولة مسلمًا كان أو ذميًّا، ولا تطبق على غيرها، فنختلف بذلك مع نظرية الإمام أبي يوسف، والتي ترى عدم سريانها بالكلية خارج دار الإسلام على الجميع، كما نختلف مع الفقهاء غير الأحناف في أننا نرى اقتصار التطبيق على مَن يحمل التابعية فقط دون غيرهم، حتى ولو كانوا من المسلمين ما داموا يستوطنون دار الكفر ويحملون تابعية دولة الكفر.
ودليلنا في سريانها خارج دار الإسلام على مَن يحمل التابعية بأن المسلم الذي بلغته شريعة الإسلام ويستوطن داره، يجب عليه إقامة أحكامه للآيات المبيَّنة فيما سبق، وغير المسلم من الذميين الذين يلتزمون بالأحكام بدار الإسلام أيضًا مكلَّف بالتزامِها خارجها؛ حيث إن ذلك موجب عقد ذمتهم وأمنِهم الدائم؛ لأن مجرَّد خروج الذمي إلى خارج دار الإسلام لا ينقض عقد ذمته؛ (ابن قيم الجوزية ج 2، 1983: 856) ، حيث خرج حيي بن أخطب إلى مكة بعد أن وادعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم رجع إليها ولم يجدِّد له عهدًا وموادعة جديدة؛ ولذلك فإن الذمي ما دام متمتعًا بحقوق الذميَّة من رعاية وإقامة، فإن عليه كذلك أن يلتزم بواجباتها وشروطها، ومن ذلك قبول سريان أحكام الإسلام عليه خارج دار الإسلام، وقد ثبت بالسنة أن النبي - عليه السلام - قام بتطبيق أحكام الإسلام على مَن خرج من الالتزام بها خارج دار الإسلام ممَّن وادعهم من يهود؛ حيث إنه - عليه الإسلام - أمر بقتل كعب بن الأشرف اليهودي - وكان ذا عهدٍ - لَمَّا خرج إلى مكة وقام بممالأة قريش، وتحريضهم على