الصفحة 3 من 35

وحدة الدولة وسريان الأحكام في النظام السياسي الإسلامي

(دراسة تحليلية)

أ. د. محمد أحمد علي مفتي

شارك في إعداد الدراسة: الدكتور سامي الوكيل.

أدَّى انهيارُ الخلافة الإسلامية إلى خَلْق واقعٍ سياسي جديد في العالم الإسلامي، وإلى بناء إطار نظري فكري لتفسير واقعِ التفتُّت السياسي للدولة الإسلامية؛ فقامت العديد من النظريات المبنيَّة على الفكر السياسي الغربي، تنادي بتأصيل التعدُّدية السياسية، وتركيز الأُطُر الوطنية كأساسٍ لبناء الهياكل السياسية الجديدة، ولقد أظهرتِ الشواهد العديدة أن المناداة بالتجزئة السياسية إنما هي سِمَة من سمات الاستعمار الغربي، استخدمها في أوائل القرن الحالي؛ لتقويض دعائم الوحدة الإسلامية، متمثلة في دولة الخلافة الإسلامية، وللحيلولة دون انبعاثها من جديد، فلم تكن التجزئة السياسية وما تضمنته من إقامة الحواجز الحدودية، والفوارق الإدارية والتنظيمية، وتباين الاتجاهات السياسية والاقتصادية - وليدةَ إرادةٍ شعبية، إنما فُرِضت الفُرْقة قسرًا لأحكام السيطرة الاستعمارية على العالم الإسلامي؛ (طربين، 13: 1987) .

ثم لَمَّا أصبحتِ التجزئةُ السياسية حقيقةً موضوعية في العالم الإسلامي، برزتْ للوجود فكرة إيجاد رابطة قوميَّة تقفُ في وجه الفكر الإسلامي، وتنادي بالاتحاد أو الاندماج الهش في شكلٍ من الأشكال الفيدرالية أو الكونفدرالية ذات الصبغة العَلْمانية، تضمن الدعوة الاتحادية الجديدة عدم بعث الفكرة الإسلامية عن"الدولة"، وإبقاء الفكرة القومية حيَّة في النفوس، مع تكريس شكل الدولة الوطنية"المجذر"للتجزئة السياسية؛ فالفكر القومي الذي برز التصدي للتجزئة السياسية لم يتمكَّن عمليًّا من التحرُّر من فكر التجزئة والدعوة إليه، وما هذا بمستغربٍ ما دامتْ تلك الاتجاهات (القومية) تستمدُّ جذورها الفكرية، إما من الاشتراكية الغربية الأوروبية، وإما من الماركسية، وكلا الجذرين يشكِّل أرضية صالحة لدولة التجزئة والإقليمية؛ (شفيق، 1407 هـ 1987: 124) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت