أما من حيث سريان الأحكام على مَن يقيم تحت سلطان الدولة، فالمعروف أن هدف الدولة الإسلامية إقامة"نظام الحياة الإسلامي بحذافيره دون نقص أو إبدال"؛ (المودودي، 1398 هـ 1978: 45) .
وإن حقيقة الخلافة أو السلطان الإسلامي، هي أنها"نيابة عن صاحب الشرع في حفظ الدين وسياسة الدنيا"؛ (ابن خلدون، 1978: 218) ؛ ولذلك أوجب الشرع على الدولة أن تحكم بين كل الناس بما أنزل الله، قال - تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 41] ، وقال - عز وجل: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [المائدة: 42] ، وقال - تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] ؛ فهذه الآيات وأمثالها تأمر بإقامة الأحكام على كل ما يقع داخل دار الإسلام وعلى جميع مَن يقيم فيها، والثابت من سنة الرسول - عليه السلام - أنه بعد هجرته للمدينة قام بتطبيق جميع الأحكام على مَن كان بها من المسلمين واليهود، ونظَّم عهودًا بينهم وبين القبائل المقيمة في جوف المدينة يُلزِمهم فيها بأحكام الإسلام؛ حيث روى ابن إسحاق:"كتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتابًا بين المهاجرين والأنصار وَادَع فيه يهود وعاهدهم .. (بأن) المؤمنين والمسلمين من قريشٍ ويثرب ومَن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، إنهم أمة واحدة من دون الناس ... وإنه مَن تبعنا من يهود، فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصرين عليهم ... ، وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين .. لليهود دينهم وللمسلمين دينهم ... وأن بطانة اليهود كأنفسهم، وأن لا يخرج منهم أحدٌ إلا بإذن محمد - صلى الله عليه وسلم ... وأن بينهم النصر على مَن حارب أهل هذه الصحيفة، وأن ما كان بين أهل الصحيفة من حدث أو اشتجار ... فإن مردَّه إلى الله - عز وجل - وإلى محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم"؛ (ابن هشام ج 2، 1355 هـ 1936: 147 - 150) .
كما أن الثابت من سيرة الخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم - إجراء أحكام الإسلام على كل مُقِيم في دار الإسلام، وعلى الأقطار التي جرى فتحها في عصرهم.