ولقد تبيَّن لنا بمراجعة كتاب الغياثي للإمام الجويني أن الإمام - رحمه الله - لا يُجِيز تعدُّد الأئمة، إنما يُجِيز نصب"أمير"على القوم، الذين لا سبيل للإمام إليهم، وفي ذلك يقول:"ولا يكون ذلك المنصوب إمامًا، ولو زالت الموانع واستمكن الإمام من النظر لهم، أذعن (الأمير) والرعايا للإمام، وألقوا إليه السَّلَم، ... فإن رأى تقرير مَن نصبوه فعل، وإن رأى تغيير الأمر، فرأيه المتبوع، وإليه الرجوع"؛ (الجويني، 1400 هـ: 176) .
ويدل على ذلك أيضًا ما أكَّده إذا خلا الدهر من إمامٍ،"وانفصل شطر من الخطة عن شطر، وعزَّ نصب إمام واحد .. ، فنصب أمير في أحد الشطرين للضرورة .. ونصب في القُطر الآخر منصوب"، ولم ينصب المسلمون أحدهما إمامًا، فالحق المتبع في ذلك أن واحدًا منهما ليس إمامًا؛ إذ الإمام هو الواحد الذي به ارتباط المسلمين أجمعين"؛ (الجويني، 1400 هـ: 177) ."
ويؤكِّد الإمام الجويني وحدة الإمامة بقوله:"فلو اتَّفق نَصْب إمامينِ في قطرين، وكانا صالحينِ للإمامة مُستَجمِعين للصفات المرعيَّة، وعُقِد لكل واحد الإمامةُ على حكم العموم، ولم يشعر العاقدون في كل ناحية بما جرى في الناحية الأخرى، ولكن بين كل قوم ما أنشؤوه من الاختيار والعقد على أن ينفرد مَن اختاروه بالإمامة، فإن اتفق ذلك، فلا شك أنه لا تثبت الإمامة لهما، فإن منصب الإمامة يقتضي الاستقلال ... وجمع مستقلين بالزعامة الكبرى محال"؛ (الجويني، 1400 هـ: 178) .
وفي هذا القول تأكيد عدم جواز تعدد الأئمة، ويؤيده ما ذكره الإمام الشافعي (بدون تاريخ: 419) :"وهكذا كانتْ كتب خلفائه بعده وعمَّالهم، وما أجمع المسلمون عليه من أن يكون الخليفة واحدًا، والقاضي واحدًا، والأمير واحدًا، والإمام"؛ ولذلك فأحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإجماع الصحابة - رضوان الله عليهم - يدلاَّن دلالة واضحة على وحدة الخلافة الإسلامية ومنع التعددية السياسية في دولة الإسلام، حتى لو أدَّى ذلك إلى الصراع الدموي؛ امتثالًا لأمره - عليه الصلاة والسلام - بقتل المفرِّق للجماعة والداعي إلى التجزئة السياسية.
ومما يؤكِّد أن دولة دار الإسلام دولة واحدة موحدة الارتباطُ الوثيق بين شكل الدولة والقواعد الشرعية الإسلامية المنظِّمة لجميع العلاقات والمسؤوليات في الدولة، والتي من أهمها قاعدة"البيعة الشرعية"، وقاعدة"وجوب اتباع الشرع الإسلامي"، ويترتَّب على البَيْعة الشرعية حقُّ الإمام في مزاولة السلطان المخوَّل له من الشرع، كما أن البيعة تجعل الحق لكل مسلم في اختيار الحاكم