ولقد ابدع هذا الطاغية في إفساده!!
وأكثر هذا الطاغية من إفساده!!
فتفوق في الفساد كمًا وكيفًا!!
قال تعالى {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ - إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ - الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ - وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ - وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ - الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ - فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ - فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ - إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} [الفجر:6 - 14]
قال سيد قطب رحمه الله:"هؤلاء هم {الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ - فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ} .. وليس وراء الطغيان إلا الفساد. فالطغيان يفسد الطاغية، ويفسد الذين يقع عليهم الطغيان سواءً. كما يفسد العلاقات والارتباطات في كل جوانب الحياة. ويحول الحياة عن خطها السليم النظيف، المعمر الباني، إلى خط آخر لا تستقيم معه خلافة الإنسان في الأرض بحال ..."
إنه يجعل الطاغية أسير هواه، لأنه لا يفيء إلى ميزان ثابت، ولا يقف عند حد ظاهر، فيَفسَد هو أول من يَفسد؛ ويتخذ له مكانًا في الأرض غير مكان العبد المستخلف؛ وكذلك قال فرعون ... {أنا ربكم الأعلى} عندما أفسده طغيانه، فتجاوز به مكان العبد المخلوق، وتطاول به إلى هذا الادعاء المقبوح، وهو فساد أي فساد.
ثم هو يجعل الجماهير أرقاء أذلاء، مع السخط الدفين والحقد الكظيم، فتتعطل فيهم مشاعر الكرامة الإنسانية، وملكات الابتكار المتحررة التي لا تنمو في غير جو الحرية. والنفس التي تستذل تأسن وتتعفن، وتصبح مرتعًا لديدان الشهوات الهابطة والغرائز المريضة. وميدانًا للانحرافات مع انطماس البصيرة والإدراك. وفقدان الأريحية والهمة والتطلع والارتفاع، وهو فساد أي فساد .." [1] "
لقد كان هذا هو مبدأ الفرعون الأول، وعلى خطاه القذرة سار فرعون العصر ...
لقد اختارت الدولة الفرعونية الحديثة منهج الأفساد كأساس لتثبيت دعائم حكمها الغاشم ...
لم تكتف فقط بتولية الأمر لأهل الفساد، فهذا أمر يشترك فيه كل طاغية فاسد على وجه الأرض ولكن المبدأ الجديد المبتكر كان في إفساد الناس حتى يكون الكل متورطين حتى النخاع مع هذه الطغمة الفاسدة ...
فعلى سبيل المثال كان من تخطيطهم إفساد الموظف المصري، وذلك عن طريق منهجية إفقار الموظف المصري، فتحت شعار عجز الميزانية وضعف الموارد كانت الأجور في مجملها لا تكفى ربع احتياجات الأسرة المتوسطة، وكل زيادة طفيفة في هذه الأجور يقابلها زيادة أكبر في الأسعار، فيظل هذا المواطن الكادح يدور في حلقات مفرغة، وتحت وطأة الاحتياج، وسد أبواب المال الحلال، وفتح أبواب المال الحرام على مصراعيه، يتحول هذا المواطن الكادح إلى أحد جنود فرعون ....
لقد نجحوا في تحويل الموظف المصري إلى شريك في الفساد ...
فإذا كان الصغير فاسدًا ....
(1) ) في ظلال القرآن:3904،الجزء:6.