والكبير فاسدا ً ....
فماذا يبقى؟! لقد اكتملت منظومة الفساد!! [1]
لقد استطاع فرعون أن يبنى مملكته، ويثبت دعائمها ...
أن يكون الفساد في مجموعة أو شريحة معينة هذا أمر مألوف، لكن أن تنشأ منظومة حكم على الفساد هذا ابتكار فرعوني أصيل!!
ولكن يبقى السؤال: هل هناك قدرة بشرية - مهما بلغت - تستطيع أن تفعل كل هذا وحدها؟
الإجابة: لا، فرعون لم يكن أبدًا وحده، ولم يكن ليتم فعلته وحده!!
لقد كان معه أعوان، وحاشية، وجنود ..
ومن البديهي طالما أنه قرر الفساد كمنهج للحكم أن يختار بعناية أتباعه المخلصين الذين يعينونه على إتمام المهمة على أكمل وجه!!
فلا نتعجب عندما نرى أكبر الأعوان، وزيره وساعده الأيمن: هامان، وقد تخلى عن وظيفته كوزير، وكبير رجالات الدولة، وقنع بصفة التابع الذليل، تخلى عن صلاحياته كمستشار مؤتمن، وارتضى بوظيفة"كل أوامرك مطاعة يا مولاي"، أو كما يقول العسكر في بلادنا"كله تمام يا فندم"!! كل أوامر فرعون مسموعة، وكل طلباته مشروعة!!
فإذا قال له مولاه {فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [القصص:38] ، فيفعل هامان!!
"كله تمام يا فندم"!!
ولكن هامان وحده لا يكفي، ولست أدرى هل كان لديهم مجلس وزراء مثلا ً أم لا، ولكن لو فرضنا وجوده فليس من العسير معرفة طبيعة حكومة هامان!!
إن من الثابت لدينا أن هناك طبقة كانت مميزة تحيط بفرعون، وتلعب دور البطانة الخاصة، تلك الطبقة التى عبر عنها القرآن بوصف الملأ ...
والملأ هم علية القوم، وصفوة القوم [2] ...
لقد كان الملأ متواجدين بقوة، في كل زمان .... وفي كل قصة ....
(1) ) راجع تفاصيل هذا المخطط الشيطاني في برنامج بلاحدود على فضائية الجزيرة، تحت عنوان: التقارير الدولية و الرسمية عن الفساد في مصر، مع الدكتور: عبد الخالق فاروق.
(2) ) قال الراغب الأصفهاني: الملأ: جماعة يجتمعون على رأي، فملؤون العيون رواء ومنظرًا، والنفوس بهاءً وجلالًا. قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [البقرة:246] ،و {قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ} [الأعراف:60] ، {إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ} [القصص:] ، {قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} [النمل:29] ،وغير ذلك من الآيات. يقال: فلان ملء العيون. أي: معظم عند من رآه، كأنه ملأ عينه من رؤيته. مفردات ألفاظ القرآن:599.