لقد استجلب بنو إسرائيل غضب ربهم عليهم ...
وتوالت عليهم العقوبات، جزاءً بما كسبت أيديهم {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [الأنعام:146]
{وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [آل عمران:117] ...
فمن تلك العقوبات: عقوبة التيه، {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [المائدة: 26] ، لما زاغوا عن الحق ورفضوا الانقياد لله ورسوله، كانت عقوبتهم أن يزيغوا ويتوهوا بأبدانهم، فلا يهتدون لطريق ولا يصلون لهدف ...
قال السعدي رحمه الله:"أي: إن من عقوبتهم أن نحرم عليهم دخول هذه القرية التي كتبها الله لهم، مدة أربعين سنة، وتلك المدة أيضا يتيهون في الأرض، لا يهتدون إلى طريق ولا يبقون مطمئنين، وهذه عقوبة دنيوية، لعل الله تعالى كفر بها عنهم، ودفع عنهم عقوبة أعظم منها، وفي هذا دليل على أن العقوبة على الذنب قد تكون بزوال نعمة موجودة، أو دفع نقمة قد انعقد سبب وجودها أو تأخرها إلى وقت آخر."
ولعل الحكمة في هذه المدة أن يموت أكثر هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة، الصادرة عن قلوب لا صبر فيها ولا ثبات، بل قد ألفت الاستعباد لعدوها، ولم تكن لها همم ترقيها إلى ما فيه ارتقاؤها وعلوها، ولتظهر ناشئة جديدة تتربى عقولهم على طلب قهر الأعداء، وعدم الاستعباد، والذل المانع من السعادة" [1] ."
فهل نريد لأنفسنا هذا المصير؟!
هناك من يدفعوننا دفعا ً نحو التيه، يريدون منا ألا نصل أبدا إلى قرار ...
فهل نستجيب لهم أم نستجيب لله ورسوله؟
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 25]
نعم نستجيب يا رب ...
لن ننتظر التيه، ولن نستجيب لدعاته ...
قال تعالى: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: 38]
لا ... نحن لن ننتظر حتى تعمنا عقوبة الاستبدال ...
بل نقول كما قال اسلافنا من قبل {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة:285]
ربنا أرنا الحق حقا ً وازقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا ً وارزقنا اجتنابه ...
ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ...
(1) ) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان:228.